Slider

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

قافية تونسية.. المركز الجامعي للتنشيط الثقافي والرياضي

بقلم/ خيرة خلف الله

تجوب الثّورة المدن وتتسلّق العروش وتترجّل
من عليائها لتحطّ قاب قصيد منّا .تأنتينا محمّلة بالألوان والحركة ،متسربلة بالرّوعة
عروس قول ونغما شجيّا ولو
حة مستعصية الإبداع ذلك فعلها فينا أمّا عن افتتاننا بها فحدّث ولا حرج
نعيشها أجزل من قوت ونعشقها أشهى من خليلة درب أو رفيق عمر ...

لا حديث لنا إّلا عنها ولا صوت لنا غيرها يتردّد في الأصقاع
نشهرها وردة في وجه كلّ واف
د علينا وقد ازداد شغفا بنا لأجل مغازلة عيونها
وأمّا شعاراتنا وأغانينا وكامل
حياتنا فنسقها معدّل على الثّورة لتغدو وطنا بديلا نتنفّس من خلاله وبه فعلا نكون
كان فضاؤنا الجامعيّ والتنشيطيّ مغايرا هذه السّنة من الرّبيع
دون بذخ أو تزيّد وكانت أصواتنا وريشتنا وعودنا تتسلّق العلا في جلجلة مدوّية عبقة بالتّحدي
والحريّة
هكذا انفتح فضاء المركز الجامعيّ للتنشيط الثقافيّ والرّياضيّ بقابس في تظاهرة "فسيفساء الحريّة بأنامل طلاّبية "لمسات من الإبداع أثّثتها فرقتنا العريقة الملتزمة "البحث الموسيقي بقابس"
هذه الفرقة المناضلة منذ عقود .لاكلمات عميقة مالم
يءدّها نبراس شمام ولا هتاف للشهيد إن لم تسبقه "هيلا هيلا يا مطر "
هذه التظاهرة الممتدة على ثلاثة أمام والمتشابكة الورشات الفنية والأدبية كان اليوم الثاني أحفلها
كان مميزا ...كان رائعا ...كان راقيا
الشاعر جمال الصليعي و"أنباء قر
اه "
صوته يتخلّله المداخلات الموسيقية من الفرقة تعضد تواشيحه النورانية أغنيات فطمنا عليها خلسة زمن المخلوع
ونحفظها سليقة الآن "يا نخلة واد الباي" "خذ البسيسه والتمر يا مضنوني "وجديد الثورة من كلمات شعرائنا وشاعراتنا على غرار أغنية "ياشهيد
تونس شعلت من بنزرت لبنقردان "
ونحن هذا اليوم نقول يا شهيد تونس شعرت شيبها وشبابها

هكذا تفاعل جمهور المركز شعراء من قابس اعتلتهم الفرحة من قلوبهم وهم يشعرون أن ا
لأغاني تعبر عن خلجاتهم فملأت بتسامة الشاعرة عواطف الاكريمي المشهد ولم تمنع نفسها من ترديد المقاطع حتى كادت تغطي على صوت نبراس شمام قائد فرقة البحث الموسيقي الذي لم يكتف بالعزف على العود والغناء وإنما آخر كل مقطع موسيقيّ كان ينوب المنشّطة في التمهيد للفقرة الشعرية وقد عضده صوت ابنته فنانة الفرقة المتالقة والشاعر المؤدي رفيق دربه ناصر الرديسي
ليطلع علينا من خلال هذا المشهد أيضا صوت الشاعر سامي الذيبي "بوجهه الذي يريد ترميم الوجود "
هذا الوجود الاستثنائيّ للكلمة والنّغم في فضاء ازدان بلوحات خرّجي المعهد العالي للفنون والحرف في عمل توجهوا به جميعا للثورة الحافلة بالحريّة

فتحيّة للثورة التونسية
وتحيّة للإبداع التونسيّ

خيرة خلف الله
قابس
22/04/
२०११

الرئيس.. اللص والراقصة!

بقلم/ نصر الدين نواري

سمعنا في المدة الأخيرة أخبارا تقول؛ إن السر العظيم وراء بقاء وزير الثقافة المصري السابق «فاروق حسني» في منصبه طيلة ثلاثين سنة كاملة، لا يعزى أبدا إلى حنكته ولا إلى ثقافته الموسوعية كذلك، وإنما لأنه كان وزيرا شخصيا لسوزان مبارك مكلَّف باختيار ملابسها الداخلية والخارجية من باريس ولندن، والعهدة على الراوي.
وكتعليق بسيط وإنصافا منا للرجل نقول؛
ما هذا التّجني على الدكتور «فاروق حسني»؛ أوَ لا يعلم الجميع أنه فنان تشكيلي بارع ومثقف من الطراز العالمي، وهذا لعمري أكبر دليل على كفاءته التي تؤهله لشغل وتولي وزارة الثقافة في مصر العظيمة، و«خمسة» في أعين الحاسدين!
أمّا من أراد أن يكشف أسرارا فليتفضل مشكورا ونترجاه أن لا يسكت أبدا عن قول الكلام المباح وغير المباح؛ ليكشف لنا مثلا أن سر بقاء الدكتور؛ هو تقاسمه الاسم مع فخامة «الريّس مخلوع» حسني مبارك، والجميع بات يعلم منذ مدة طويلة أن أسماء الرؤساء والملوك مقدسة !! (استغفر الله العظيم).
أو أن يقول كاشف الأسرار هذا؛ أن «فاروق حسني» ليس استثناء أبدا، بل كثيرون غيره من الوزراء في بلاد «العرب أوطاني» وُظفوا وعُينوا ليتسمروا في كراسيهم الفاخرة لميزات وخصائص لا تقل شأنا أبدا عن ميزات ومهارات وخصائص الدكتور «فاروق حسني».
يا جماعة؛ فلنكن أكثر وضوحا ولا نخجل أبدا من قول الحقيقة؛ إنّ السر وراء تخلف الدول العربية بسيط، شفاف، مكشوف للعيان، هو أن حاميها حراميها؛ هو ذلك السلطان المتكبر المتجبّر الذي ذهب ذات يوم لأحد الأسواق الشعبية، فوجد «برّاحا» فسُحر بمعسول كلامه فعيّنه وزيرا للاتصال، ووجد تاجرا مطففا خفيف اليد فكان وزيرا للتجارة، ولصا محترفا ينظر لجيوب الناس بعين واحدة فرسّمه وزيرا للاقتصاد والمالية، وبائع أعشاب طبية و«لُبان نعام» و«مخ الضبع والفأر» فقال في نفسه هذا الأصلح والأقدر على تولي وزارة الصحة، وعند المساء وكعادته طبعا استقبله «الفيدور» حارس الملهى بحفاوة بالغة بعد أن وعده بتولي منصب وزير الأمن والداخلية، فجازاه بأن أجلسه مكانا إستراتيجيا ليتسنى له رؤية راقصة الملهى وهي تدور وتتلوى، وحينما رآها، يا جماعة، بلع لسانه وسقط مغشيا عليه ولمّا استفاق عيّنها فورا وزيرة للثقافة!
أما حين هَمّ بالعودة إلى المنزل، لم يجد غير «الفرودور» صاحب سيارة «الماروتي» الحمراء الباهت لونها التي لا تسر الناظرين، فانبهر بقدراته وإمكانياته الفنية وبمراوغاته الخطيرة للسيارات، فعيّنه ليلتها وزيرا للنقل، وهو جدير بذلك!
وبتلك الطريقة الرهيبة المبتكرة التي يستحق عليها التقدير والإجلال، قام فخامته بتأسيس حكومة تسير شؤون دولة عظيمة؛ اسمها دولة «ميكي».. مرحبا بكم جميعا في عالم «ديزيني»!! (إنّه التسوّق السياسي الذي جنى على الشعوب العربية).


بين عزاء بورخيس وشقاوة ابن برد.. مبصرون تحت رحمة العميان

بقلم/ الخير شوار

قد يكون فقد البصر من أعظم المصائب التي تحل بالناس، لكن بعض الأعلام جعلوا من ذلك الفقد سلاحا في معركة الحياة ضد فاقدي البصيرة، وبين "عزاء" بورخيس وشقاوة بشار تكمن المأساة التي استحالت ملهاة كبيرة.
يلتقي خورخي لويس بورخيس الشيخ بخورخي لويس بورخيس الفتي في إحدى القصص الغرائبية للكاتب نفسه، وساعتها لم يعرف الاثنان من كان منهما في الحلم ومن كان في الحقيقة، وعند افتراقهما يقول الشيخ للفتى بأنه سيأتي من يقوده، وعندما يفاجأ الفتى للأمر يجيبه الشيخ بالقول: "أجل، فحينما تبلغ سني ستكون قد فقدت البصر كليا على وجه التقريب، ولن ترى غير اللون الأصفر والظلال والأضواء"، ثم أضاف وكأنه يعزيه: "لا تقلق بالعمى التدريجي ليس أمرا مأساويا، بل هو أشبه بأمسية بطيئة".
وبورخيس كان قد أصيب بالعمى التدريجي نتيجة لقراءاته للآثار المكتوبة الغريبة وحرصه "الهوسي على الكتابة والتدقيق فيما يكتب". وعندما لم يقتنع بما وفر له الزمان والمكان من أصدقاء وكتب "أخذ يكتب عن كتب غريبة لا وجود لها إلا في خياله"، ويصاحب الكثير من الكتّاب والأعلام الذين لم يعرفهم إلا من خلال كتاباتهم على غرار صداقته مع الفيلسوف أبي الوليد بن رشد الذي كان قد التقاه في خياله وهو حائر في كيفية ترجمة كلمتي "تراجيديا" و"كوميديا" وفي الأخير يقول بن رشد: "يسمي أرسطو قصائد المدح تراجيديا وقصائد الهجاء والقذف كوميديا وتزخر صفحات القرآن ومعلقات الكعبة بتراجيديات وكوميديات رائعة".
وإذا كان قانون التطور يقول بأن "العضو الذي لا يستعمل يضمر"، فإن ضمور البصر عند بعض القراء والكتّاب ربما يرجع إلى السفر البعيد عبر السطور والكلمات واختلال التوازن بين البصر بالعين والبصر ب"العيون الداخلية". وعندما يتمكن العمى من بعض أهل الحروف يتخذون أصدقاء لهم خارج أزمانهم على غرار أبي العلاء المعري الذي صاحب المتنبي ودافع عنه في مجلس الشريف الرضي ب"هجاء مبطن" للشريف لم يسمعه في حياته قائلا أنه يكفي المتنبي فخرا أنه صاحب القصيدة التي مطلعها: "لك يا منازل في القلب منازل.. أقفرت أنت وهن منك أواهل"، فعند سماع البيت وسياقه صاح الشريف قائلا: "اخرجوا هذا الأعمى"، ثم قال لجلسائه أن المعري كان يقصد البيت الذي قال فيه المتنبي: "إذا أتتك مذمتي من ناقص.. فهي الشهادة لي بأني كامل".
وطريق الكتابة قد يكون طريقا لفقدان البصر، لكن صاحبه عندها يتعزي بالأصدقاء الذين يكتسبهم، هم أصدقاء من خارج مكانه وزمانه لكنهم من طينته، يشكو إليهم همومه ويحاول أن يقتسم معهم أفراحه و"دونكشوتياته"، أما علاقته مع معاصريه فقد تنزل إلى درجة الصفر، أو قد تصبح كاريكاتورية مثلما حصل مع أحد الشعراء العميان (بشار بن برد) الذي طلب منه أحدهم أن يدله على طريق ف"دله" بطريقته، ثم قال في حقه: "أعمى يقود بصيرا لا أب لكم.. قد خاب من كانت العميان تهديه".


السرقات الأدبية و سباقاتها


بقلم/ سمية محنش

تكادُ لا تَخْلُو الحياة الأدبية من مبدعين محترفين في السطو على إبداعات المبدعين الحقيقيين و ردِّها إليهم ، و الأدهى من ذلك تقديمها في مسابقات دولية و المنافسة بها . و لأن الادب العربي مكشوف للعام و الخاص بفطاحلته و كتبهم المنتشرة في كل مكان ، فان السارق كثيرا ما يميل الى سرقة المغمورين و الناشئين من الأدباء الصغار بمفهوم الإنتشار الإعلامي في حالات معينة ، بينما يذهب آخر الى سرقة مقاطع بأكملها لأحد الكتاب الكبار ، و ضمِّها في ثنايا كتابه معتقدا و هو المتخصص أن قارئه المتخصص هو الآخر أعمى ؛ أو أنه سيقرأ لأوَّل مرة كتابا هو كتابه.
لقد ذهب أحد الفقهاء الى اعتبار سرقة المجهود الفكري بمثابة سرقة الولد الصلبي ، اذ شبَّه الأفكار و الجهد الذهني عموما بالأولاد معتبرا ان هذا النوع من السرقة أخطر في حقيقته من سرقة الأموال ، فهي أشد وقعا على صاحبها ، اذ يتعادل احساسه وقت اكتشافها ، الاحساس الذي ينتاب المرء عندما يخطفون له ولده من صلبه ، فينسبونه إلى غيره . بينما وضعت لجنة الازهر السرقات الأدبية في درجة و حكم سرقة الأموال ، بتقدير و قياس الفعل ، و فرقت في ذات السياق بين الاقتباس و السرقة إذ اعتبرت أن الاقتباس بكل انواعه سواء أكان من كتاب أو مجلة أو أي مرجع آخر ؛ جائز شرعا شرط ان ينسب الى مصدره ، أما إن تم ذلك دون الإشارة إلى مرجعه ، فإن ذلك محرم شرعا و قانونا ، و بذلك فهو لا يعدو ان يكون سرقة يقع عليها حكم سارق الاموال العينية من قطع او حبس .
و ان نظرنا الى ذلك بالمفاهيم العصرية و القوانين الوضعية لقلنا أنه و لولا ذلك لما شرعت النصوص القانونية إحتكاما إلى القانون العام ، حق الملكية الفكرية فخصتها بقانون مكتوب ، ما يرتب على منتهكه جزاءات تصل في سلَّم درجات الجريمة حدَّ الجناية .
و للغوص أكثر في مفهوم السرقة من الناحيتين اللغوية و الشرعية ؛ فهي أن يستولي السارق خلسة على ملك الغير بقصد تملكه ، و قد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : "و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما" أي أن ما يقع من حكم على سارق أخذ حاجة الغير بقصد تملكها من مال أو شيئ عيني بغير علم صاحبه ، هو ذاته ما يقع على سارق الأعمال الأدبية ، في حالة نسب السارق أعمال الغير إليه دون الإشارة الى منبعه و مصدره الحقيقي .
ثم كيف يمكن ان يقتبس شاعر ما شعرا من الغير؟ أولا يتم ذلك من خلال تحوير و تدوير الأفكار بما يتلائم و شخصية المقتبس ان كان فعلا شاعرا في حالات معينة تعد استثناءا لا حصرا باعتبار ان الشعر شعر ينبع من التجربة الشعورية و تعتُّقها في نفس صاحبها؟
حسب الدارسين فان الفقه قديما ظلَّ متساهلا مع السرقة الأدبية لاعتبارات منها أن الادب لتجذره في النفوس قديما و ظهوره آنذاك في هيئة فطرية لا اصطناع فيها و لا غلو ، و خاصة في البيئة العربية لأنها بيئة وجدانية شاعرة ؛ اعتبر من الامور العادية و الثانوية التي يتميز فيها الغني و الفقير ، القوي و الضعيف على غرار اليوم و لكن بمعايير السليقة الاولى ، حتى ظن بعض مقترفيها انها ليست جنحة او جناية ، رغم ان ادب السرقات ظهر مبكرا حسب التأريخ الادبي و الذي رد ظهوره الى القرن الثالث الهجري ، و منهم من قال ان بوادر السرقات الادبية معروفة منذ العصر الجاهلي واستدلوا في ذلك على قول طرفة بن العبد:
و لا اغير على الاشعار اسرقها عنها غنيت و شر الناس من سرقا
و لأن ظاهرة السرقة تحدث باستمرار في عالم الثقافة الذي يعج بمثل هؤلاء ، وجب علينا الا نسكت على ما يحدث عند التفطن و اكتشاف سرقة ما ردعا للسارق و تحذيرا لمن سيحذو حذوه ، فليس اجمل من ان يبحث المرء عن مواطن الجمال في دواخله ليحيلها شعرا ، و ان كان الله لم يخلق كل البشر شعراء و لا هو خلق كل الشعراء شعراءا على سليقتهم ، فان السارق ايا كان ؛ امقتُ الناس ، و خاصة إن كان من هؤلاء . و كأنهم بأفعالهم هذه ينشدون انتصارات آنية سرعان ما ستنكشف للعام والخاص فلا تنفعهم حينها سرقاتهم التي يطببون بها قلة أدبهم الموغلة في ثنايا عقولهم و شخصياتهم القائمة بلا مبادىء ، و لا تنفعهم وجوههم المطلية بالقار الذي تدلل عنه هذه الأعمال ، لسراَّق في العلانية لا سُرَّاق اسرار .
ترى..ماذا سيكون شعورك لو انك ستتعرض لسرقة على يد واحد من هؤلاء ؟ و ماذا سيكون شعورك و أنت تعلم ان هذا السارق قد تقدم بعملك لاحدى المسابقات و ان اللجنة لم تتفطن للسرقة ففاز بها ؟ ، أو أنك ترى السارق امامك صوتا و صورة في احدى الملتقيات أو في التلفاز مثلا و هو يقرأ أحد قصائدك للجنة مسابقة تلفزيونية؟…و ماذا لو علم هذا السارق أنك موجود في نفس المكان الذي يوجد فيه هو ، و أنك ستتقدم لذات اللجنة بذات القصيدة التي قام بسرقتها ؟
إن الأعمال الادبية بغض النظر عن الظهور الإعلامي ، و الجوائز الأدبية و قيمتها المالية التي ينشدها هؤلاء ، لا تقدر لا باموال العالم و لا بإعلامه في النفس التي ابدعتها، لأنها قطعة من الـروح و استدلال على طبيعة الشخصية المبدعة ، يتفانى فيها صاحبها بذات الحس الذي تفانى في عيش تجربتها قبل نقلها على ورق . لذلك فان من يقوم بسرقتها لا يختلف في جوهره عن اي مجرم من مجرمي السطوا و القتل.
هل جربت ذلك الاحساس ؟ احساس انهم سلبوك قطعة منك استلابا لا رحمة فيه لينشدوا به سرابا ؟؟ .. صدق فعلا من قال أن سارق العمل الأدبي بمثابة من سرق لك إبنك و نسبه الى رحم هي غير رحمك ..

المثقف العربي وأميته‏..‏ ظواهر جديدة‏!!


د‏.‏مصطفي عبد الغني/ ظواهر جديدة في حياتنا الثقافية اليوم تلفت النظر إلي حد بعيد‏..‏ لم تعد أمية المثقف‏_‏ وهذه أهم الظواهر وأخطرها‏-‏ تغلب عليها صفة الأمية السياسية أو الاجتماعية وحسب‏,‏ وإنما تجاوز الأمر إلي المفهوم البسيط من التعرف علي تكوين المثقف وواجبه‏,‏ لم يعد الأمر يتصل بالعديد من القضايا التي تشغل هذا المثقف أو الوعي بمفاهيم كالحرية‏,‏ والحداثة‏,‏ والتجديد‏,‏ والإصلاح والتنوير‏,‏ والنهضة والتسامح‏,‏ والدين والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ والعدالة والمساواة وما إلي ذلك من مفاهيم تعني الأسلوب في التغيير او تجاوزه بأساليب العصر‏..‏ وإنما الأمر جاوز ذلك كله بالوصول إلي ظواهر سلبية عديدة تؤثر في السلوك العام لمثقفينا‏..‏ تتعدد هذه الظواهر في العديد من ألوان الطيف في الواقع الثقافي حولنا‏..‏ تتحدد هذه الظواهر عند سمات عديدة ربما أولها‏,‏ هذا التعبير اللغوي الغامض أو المقزز في التعبير‏,‏ وهو تعبير ينصرف من الغموض الشديد إلي الأسلوب الرديء‏,‏ وقد لاحظ البعض ذلك فقد أشار إليها البعض من المثقفين الواعين من ذلك أمية التعبير‏,‏ وهو ما أشار إليه أحمد بهاء الدين شعبان بالفعل متمهلا عند قضية‏‏ المثقف ولغته‏‏ مشيرا إلي هذا الأسلوب الغامض الغريب في التعبير‏,‏ وهو أسلوب نراه الآن بالفعل أسلوب المثقف المعاصر الذي يقترب من البيت الشعري التراثي‏:‏ وقد غدوت إلي الحانوت يتبعني شاو مشل شلول شلشل شول وهو ما يقترب بنا من هذه الحالة السائدة التي تتكرر منذ‏‏ عنوانات‏‏ المقالات التي تكتب‏,‏ فأكثر ما يلاحظ ويدهش حقا إننا نجد كاتبا مرموقا‏_‏ هكذا‏_‏ يضع لمقالته عنوانا فجا بالعامية الرديئة‏,‏ بل لايكتفي بذلك‏,‏ بل يبدأ مقالته بجسارة غريبة بنفس العامية‏_‏ الرديئة‏_‏ ليحاول أن يتناول قضية مهمة‏,‏ الأكثر من هذا أن الكاتب يغرقنا‏_‏ إبان السرد الركيك‏_‏ بأمثال شعبية تصل إلي حالة بعيدة من هذا التعبير الرديء الذي يناقض التعبير الراقي الناقد لعديد من قضايا المجتمع‏,‏ وكأننا‏_‏ حين نحاول أن نقترب من الكاتب هنا‏-..‏ أن نسعي للتعرف علي ما يريد بأسلوب مقزز وغريب‏..‏ وهو بهذا المعني‏,‏ يحدث العكس فلا يستطيع الوصول إلي المتلقي أيا كانت ثقافته‏..‏ ونصل بهذا إلي ظاهرة أخري عند المثقف‏,‏ وهي الظاهرة التي تغرقنا حين نشير إلي إنتاج مبدعينا اليوم في مجال الإبداع‏:‏ الشعري منه أو الروائي أو القصصي‏,‏ فلا يجب أن تمر علينا دلالة هذه الخلافات العالية بين أصحاب الشعر الحر والشعر المنثور‏,‏ أو نعيد النظر في الشكل الروائي عند العديد من الروائيين حين تتفرق الدلالة العامة للنص بين سرد ذاتي أو سرد روائي أقرب إلي السرد الغامض بما يضع في السياق الأخير في سياق الرواية‏(‏ وهو ما يطلق عليه المعاصرون اللارواية ويعرفون عليه بشكل آخر حين يشيرون إلي مصطلح‏‏الرواية الجديدة‏‏ حين أشير إلي بعض الكتابات الروائية منذ أكثر من نصف قرن‏..‏ وتتعدد الأمية الفنية عند المبدعين المعاصرين‏,‏ بل‏_‏ وأكثر من هذا‏_‏ لدي عدد من النقاد الجدد الذين يكتبون وأيديهم مع شعار‏‏الشلل‏,‏ والأكثر من هذا وذاك ما يتنامي إلينا من الانتخابات التي جرت والتي ستجري في اتحاد الكتاب و الناشرين أو المحاميين او الفنانين التشكيليين من هذه القوائم أو الكشوف التي تضع سلفا لتحدد نتائج هذا التجمع أو ذاك‏..‏ بيد أن قضية حراك الانتخابات لدي الكتاب والمثقفين لها موضع آخر يمضي في هذا السياق ما سبق وان اشرنا إليه أكثر من مرة هنا حين أشرنا‏_‏ علي سبيل المثال‏-‏ إلي مفهوم‏‏ الجماعة الوظيفية‏‏ في استمرار سيادة هذا المفهوم عن الصهيونية اليوم من مفهوم‏‏ الجماعة الوظيفية‏‏ يشير إلي أن هذا المفهوم يشير إلي مجموعات بشرية تستجلب من خارج المجتمع وتجند من داخله ثم يوكل لها وظائف شتي هذا المفهوم لدي هذه‏..‏ وأكثر ما يلفت النظر هنا هو أن المصطلحات التي يأتي بها أصحاب هذا المفهوم هو الذي يردد بين المثقفين ويشار إليه من آن لآخر‏,‏ وكان الجماعة التي تقوم بهذا الدور ليسوا في أرض إسرائيل وحسب وإنما هم بيننا الآن‏..‏ الفهم الخاطيء لمصطلحات تردد لنا من الخارج‏,‏ ونقوم بترديدها بغير تأمل كبير‏,‏ من ذلك ما نتحدث به ونحن نري ولا نتعلم قط مما يجري في الانتخابات الإسرائيلية كيف سعي اليمين هناك لاستعادة هذا المفهوم عبر التغييرات حوله من منطلق الإيديولوجية العنصرية‏‏ شعب الله المختار‏‏ وما إلي ذلك‏..‏ الأمية هنا‏,‏ أمية المثقفين بالقطع‏,‏ لا تتوقف عند الأسلوب أو استخدام اللفظ وحسب‏,‏ وإنما تتجاوز كل الخيوط لتؤكد فئة تحسب علي المثقفين‏,‏ وتحاسب بحساب المثقفين‏,‏ فإذا بنا نقع في أزمة الأمية الثقافية‏..‏ ومن ثم الالتزام الفكري أو التنويري‏..‏وهو ما يحتاج لموضع آخر‏.‏

منشور بصحيفة "الأهرام" المصرية 9 إبريل 2009


عندما تتحول الصهيونية إلى نكتة


بقلم الكاتب الراحل/ عبد الوهاب المسيري: الصهيونية في جوهرها هي حركة لتخليص أوروبا من الفائض البشري اليهودي (Jewish surplus ) عن طريق نقله من أوروبا وتوطينه في أية منطقة خارجها، وقد استقر الرأي على أن تكون فلسطين هي هذه المنطقة نظراً لأهميتها الإستراتيجية، وارتباطها في الوجدان الغربي باليهود. وحتى يتم تجنيد الجماهير اليهودية وتسهيل عملية نقلهم، خدعهم الغرب بقوله إنهم سيذهبون إلى أرض بلا شعب، وإنه إن وُجد فيها شعب سيكون من السهل إبادته أو نقله أو استعباده كما حدث في التجارب الاستيطانية الإحلالية الأخرى. وبالفعل فُتحت أبواب فلسطين للهجرة الاستيطانية اليهودية التي كانت تحميها قوة الاحتلال البريطانية. وتم إعلان الدولة الصهيونية العام 1948، وتصور المستوطنون أنهم كسبوا المعركة ضد السكان الأصليين. ولكن بعد بضع سنوات قليلة من الهدوء بدأت المقاومة الفلسطينية النبيلة بشكل فردي ثم ظهرت فصائل المقاومة الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، وراحت تطور من قدراتها تدريجياً إلى أن وصلت إلى إنتاج الصواريخ وتحسين أدائها. ومن الطريف أنه نظراً لبساطة هذه الصواريخ وبدائيتها، فإن الرادارات الإسرائيلية غير قادرة على رصدها، ولذا ظهرت نكتة في إسرائيل تقول إنه لابد وأن تزود إسرائيل المقاومة الفلسطينية بصواريخ سكود حتى يمكن للرادارات الإسرائيلية أن ترصدها. وتدريجياً بدأ الإسرائيليون يشعرون أن انتصاراتهم العسكرية لا معنى لها، وأنها لم تنجح في تحقيق السلام أو الأمن لهم (فيما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون "عقم الانتصار" مقتبساً عبارة هيجل) وأنهم خُدعوا عندما صُوِّر لهم أن عملية الاستيطان في فلسطين سهلة، وتدريجياً تنامى إحساس بالورطة التاريخية. ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا؟ أحد الحلول هو تجاهل الورطة تماماً، وهذا ما تعبر عنه أحداث هذه القصيدة الفكاهية التي كتبها الشاعر الإسرائيلي إفرايم سيدون إبان الانتفاضة الأولى (والتي رفض التلفزيون الإسرائيلي إذاعتها). تدور أحداث القصيدة في غرفة صالون يجلس فيه أربعة أشخاص: الأب والأم والطفل، أما رابعهم فهو الجندي الصهيوني، وبالتالي فهي خلية استيطانية سكانية مسلحة. وقد اندلع خارج المنزل حريق (رمز الانتفاضة وظهور الشعب الفلسطيني) وبدأ الدخان يدخل البيت عبر النافذة، إلا أن الأربعة يجلسون بهدوء ويشاهدون مسلسلاً تلفزيونياً ولا يكترثون بشيء. ثم ينشد الجميع: هنا نحن جميعاً نجلس في بيتنا الصغير الهادئ نجلس في ارتياح جذل هذا أفضل لنا، حقاً إنه أفضل لنا - الأم: جيد هو وضعنا العام - الجندي: أو باختصار.. إيجابي... - الأب: وإذا كانت هنا جمرة تهدد بالحريق - الأم: طفلي سينهض لإطفاء الحريق - الأب: وإذا اندلعت هنا وهناك حرائق صغيرة - الأم: سيسرع ابني لإطفائها بالهراوة - الأب: انهض يا بني اضربها قليلاً ويخاطب الأب النار فيخبرها أنها مسكينة، وأنها لن تؤثِّر فيه من قريب أو بعيد، وأنه سيطفئها في النهاية. وحينما تأكل النيران قدميه لا تضطرب الأم، فالأمر في تصورها ليس خطيراً، إذ لديه -كما تقول- "قدم صناعية" (لعلها مستوردة من الولايات المتحدة)، والوقت -كما يقول الأب- "يعمل لصالحنا". ولكن الطفل ينطق مرة أخرى بالحقيقة المرة: - الطفل: بابا، بابا، لقد حرقنا الوقت [الزمن] - الأب: اسكت - الأم: إن من ينظر حولنا ويراقب، يرى كم أن الأب لا ينطق إلا بالصدق كعادته - الأب والأم: لقد أثبتنا للنار بشكل واضح من هو الرجل هنا ومن هو الحاكم - الطفل: ولكن بابا... البيت... - الأب: لا تشغلنا بالحقائق وهذه القصيدة الفكاهية، شأنها شأن النكت، تخبئ رؤية متشائمة بشأن مستقبل المستوطنين الصهاينة الذين يستقرون في المكان وينكرون الزمان، فتحرقهم الحقيقة وهم جالسون يراقبون مسلسلاً تلفزيونياً في هدوء وسكينة، أو يستمعون إلى الدعاية الصهيونية التي تنسيهم واقعهم في رضا كامل! ويتضح هذا الإحساس بالعبثية وفقدان الاتجاه عند الإسرائيليين في ظهور موضوع "الخوف من الإنجاب" في القصص الإسرائيلية. فمن المعروف أن الدولة الصهيونية تشجع النسل بشكل مهووس لا حباً في الإخصاب والأطفال، وإنما وسيلة لتثبيت أركان الاستعمار الاستيطاني. ولكن من المعروف أيضاً أن معدل الإنجاب في إسرائيل من أقل المعدلات في العالم، حتى أنهم فكروا في أن يعلنوا للإنجاب عاماً يركز فيه الإسرائيليون لإنجاب أطفال أكثر. وكان رد الإسرائيليين، كما هو متوقع، سريعاً وحاسماً وملهاوياً، إذ قال أحد أعضاء الكنيست إن على رئيس الوزراء أن يعود إلى منزله فوراً للقيام بواجبه الوطني مع زوجته. وهو بالمناسبة واجب وطني بالفعل، فكما يقول أستاذ الجغرافيا الإسرائيلي أرنون سوفير إن "السيادة على أرض إسرائيل لن تُحسَم بالبندقية أو القنبلة اليدوية بل ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات، وسيتفوق الفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة". ومن هنا الإشارة إلى المرأة الفلسطينية النفوض، التي تنجب العديد من الأطفال، بأنها "قنبلة بيولوجية". وتعود ظاهرة العزوف عن الإنجاب إلى عدة أسباب عامة (تركُّز الإسرائيليين في المدن-علمنة المجتمع الإسرائيلي-التوجه نحو اللذة... إلخ). لكن لا يمكن إنكار أن عدم الإنجاب إنما هو انعكاس لوضع خاص داخل المجتمع الإسرائيلي وتعبير عن قلق الإسرائيليين من وضعهم الشاذ، باعتبارهم دولة مغروسة بالقوة في المنطقة، مهددة دائماً بما يسمونه المشكلة الديموغرافية، أي تزايد عدد العرب وتراجع عدد المستوطنين اليهود. ويعبر الإحساس العميق بالورطة التاريخية التي وجد الإسرائيليون أنفسهم فيها بهذه النكتة التي أطلقها أحد المسؤولين الصهاينة إبان احتفالات الذكرى الأربعين لتأسيس إسرائيل، إذ قال إن المشروع الصهيوني كله يستند إلى سوء فهم وخطأ، إذ كان من المفروض أن يتم في كندا بدلاً من فلسطين. ويرجع هذا إلى تعثُّر لسان موسى التوراتي، فحينما سأله الإله أي بلد تريد؟ كان من المفروض أن يقول "كندا" على التو ولكنه تلعثم وقال "كاكاكا- نانانا" فأعطاه الإله "أرض كنعان" (أي فلسطين) بدلاً من كندا، فهاج عليه بنو إسرائيل وماجوا وقالوا له "كان بوسعك أن تحصل على كندا بدلاً من هذا المكان البائس الخرب، هذا الوباء الشرق أوسطي الذي تحيط به الرمال والعرب". والنكتة هنا تعبِّر عن إحساس عميق بالخوف من تزايد العرب وتصاعد المقاومة وبالطريق المسدود الذي يؤدي إلى العدمية الكاملة. وتتسم المجتمعات التي يُقال لها متقدمة بتصاعد معدلات الاستهلاك، خاصة وأن هذه المعدلات أصبحت واحدة من أهم مؤشرات التقدم. والمجتمع الإسرائيلي يقال له "متقدم" ولذا نجد أن معدلات الاستهلاك فيه عالية. ولكن المشكلة أنه أيضاً مجتمع استيطاني. والتوجه الاستهلاكي يقوض من مقدرته القتالية، لأن هذا التوجه يصاحبه توجه شديد نحو اللذة وانصراف عن المثل الأيديولوجية الاستيطانية التي تتطلب الانضباط والاستعداد العسكري والمقدرة على إرجاء الإشباع. وقد كان المجتمع الصهيوني يتسم بهذه السمات. ولكن بعد حرب 1967 انفتحت بوابة الاستهلاكية، وهي تتزايد يوماً بعد يوم، وبدلاً من المستوطن القديم الذي كان يحمل المحراث بيد، والمدفع الرشاش باليد الأخرى، ظهر ما يطلق عليه "روش قطان" وهو الإنسان ذو المعدة الكبيرة والرأس (روش) الصغيرة (قطان) الذي لا يفكر إلا في مصلحته ومتعته واحتياجاته الشخصية، وينصرف تماماً عن خدمة الوطن أو حتى التفكير فيه. إنه إنسان استهلاكي مادي لا يؤجل متعة اليوم إلى الغد، غير قادر على إرجاء الإشباع، فهو غير واثق تماماً من الغد، فاليوم خمر بلا شك، ولكن الغد مظلم تماماً، فينغمس في الاستهلاك، خاصة وأنه ينسيه أزمة المعنى وفقدان الاتجاه. ولذا يقال إن سياسة الدولة الصهيونية -حسب إحدى النكات الإسرائيلية- هي تزويد جماهيرها بال T. V. C. وهي الأحرف الأولى لـ Video, and Cars وT.V. أما الشباب فيُشار له باعتباره جيل الـM T V وهي محطة الفيديو كليبات الشهيرة التي تركز على الرقص والغناء والجسد ولا تذكر العالم الخارجي من قريب أو بعيد. كما يُشار إليه باعتباره جيل الإكسبريسو، أي الشباب الذين يجلسون على المقاهي فيشربون قهوة الإكسبريسو ولا يشغلون بالهم بالوطن القومي اليهودي ومعاركه المستمرة المختلفة. وحسب الحلم الصهيوني كان من المفروض أن تصبح إسرائيل نوراً للأمم (ذات فولت عال جداً) ولكنها أصبحت -حسب قول أحد الصحفيين الإسرائيليين- مجتمع الثلاثة ف (V): الفولفو والفيديو والفيلا. وأشار أحد الصحفيين الإسرائيليين إلى أن الإسرائيليين يعملون مثل شعوب أميركا اللاتينية (أي لا يعملون) ويعيشون مثل شعوب أميركا الشمالية (أي يتمتعون بمستوى معيشي عال) ويدفعون الضرائب مثل الإيطاليين (أي يتهربون منها) ويقودون السيارات مثل المصريين (أي بجنون). وقد أشار المعلق العسكري الإسرائيلي زئيف شيف إلى الاستيطان في الضفة الغربية بأنه "استيطان دي لوكس" فالمستوطنون هناك استهلاكيون وليسوا مقاتلين، يتأكدون من حجم حمام السباحة ومساحة الفيلا قبل الانتقال إلى المستوطنة. ولذلك تشير الصحف الإسرائيلية إلى هذا الاستيطان باعتباره "الصنبور الذي لا يُغلَق أبداً" بل إنهم يشيرون إلى "محترفي الاستيطان" (بالإنجليزية: ستلمنت بروفشنالز settlement professionals) وهم المستوطنون الذين يستوطنون في الضفة الغربية انتظاراً للوقت الذي تنسحب فيه القوات الإسرائيلية ليحصلوا على التعويضات المناسبة (كما حدث في مستوطنة ياميت في شبه جزيرة سيناء). كما يشير الإسرائيليون إلى الاستيطان المكوكي (بالإنجليزية: شاتل ستلمنت shuttle settlement) وهي إشارة للمستوطنين الذين يستوطنون في الضفة الغربية بسبب رخص أسعار المساكن وحسب، ولكنهم يعملون خلف الخط الأخضر وهو ما حوَّل المستوطنات إلى منامات يقضي فيها المستوطنون سحابة ليلهم، أي أنهم ينتقلون كالمكوك بين المستوطنات التي يعيشون فيها بالضفة الغربية ومكاتبهم التي يعملون فيها بالمدن الإسرائيلية وراء الخط الأخضر. ومن حق أي شعب أن يستهلك بالقدر الذي يريد ما دام يكد ويتعب وينتج ثم ينفق، ولكن الوضع ليس كذلك في إسرائيل، فهم يعرفون أن الدولة الصهيونية "المستقلة" لا يمكن أن توفر لنفسها البقاء والاستمرار ولا أن توفر لهم هذا المستوى المعيشي المرتفع إلا من خلال الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الأميركي المستمر، ما دامت تقوم بدور المدافع عن المصالح الأميركية، أي أن الدولة الصهيونية دولة وظيفية، تُعرَّف في ضوء الوظيفة الموكلة لها. وقد وصف أحد الصحفيين الإسرائيليين الدولة الصهيونية بأنها "كلب حراسة، رأسه في واشنطن وذيله في القدس" وهو وصف طريف ودقيق، وصريح وقاس. ولكن هناك دائماً الإحساس بالنكتة. فعندما طرح أحد وزراء المالية خطة "دولرة" الشيكل أي ربطه بالدولار (وهي خطة رُفضت نظرياً في حينها وإن كانت نُفِّذت عملياً) اقترحت عضوة الكنيست جيئولا كوهين أن توضع صورة أبراهام لنكولن على العملة الإسرائيلية جنباً إلى جنب مع صور زعماء إسرائيل ونجمة داود، وأن يُدرَّس التاريخ الأميركي للطلاب اليهود بدلاً مما يسمى "التاريخ اليهودي". وأوردت صحيفة "جيروزاليم بوست" الحوار الخيالي التالي بين وزير المالية وشخص آخر: الوزير: الخطوة الأولى هي أن نُخفِّض الميزانية، أما الثانية فهي تحطيم الشيكل واستخدام الدولار. الآخر: وما الخطوة الثالثة؟ الوزير: الأمر واضح جداً، ننتقل كلنا إلى بروكلين (أحد أحياء اليهود في نيويورك). لكل ما تقدم، يشعر الإسرائيليون أن الصهيونية لم تعد هي الخريطة التي تهديهم سواء السبيل، ففلسطين التي كان يُشار إليها بأنها "أرض بلا شعب" ظهر أنها فيها شعب، وأنه يقاوم المحتلين بلا هوادة، ولا يكل ولا يتعب من المقاومة. وقد لاحظ أحد الكُتَّاب الإسرائيليين أنه لا يوجد فارق كبير بين الصيغتين "صهيوني" (بالعبرية: تسيوني tzioni) و"غير المكترث" (بالعبرية: تسيني tzini) والفارق الوحيد بينهما في الإنجليزية هو حرف (o) أي زيرو. فالصهيونية، هذه الأيديولوجية المشيحانية التي تدَّعي أنها القومية اليهودية، والتي تتطلب الحد الأقصى من الحماس والالتزام، فَقَدت دلالتها وأصبحت شيئاً لا يكترث به اليهود أعضاء هذه القومية المزعومة الذين تحاول الصهيونية "تحريرهم" من أسرهم في "المنفى"! ويشير أحد الكُتَّاب الفكاهيين في إسرائيل إلى أن كلمتي "زايونيزم Zionism" الصهيونية و"زومبي Zombie" (وهو الميت الذي تُعاد له الحياة بعد أن تدخل جسده قوة خارقة، ولذا يمكنه الحركة ولكنه لا يستعيد القدرة على الكلام أو حرية الإرادة) تردان في نفس الصفحة من المعجم الإنجليزي، الأمر الذي يدل -حسب تصوُّره- على ترابطهما، وأن الصهيونية إن هي إلا زومبي، أي جسد متحرِّك لا حياة فيه ولا معنى له. وهذا الكاتب الكوميدي لم يجانب الحقيقة كثيراً، فهناك العديد من المستوطنات الفارغة، تنعى من بناها، لا يسكن فيها أحد، ويُطلَق عليها بالإنجليزية: دمي ستلمنت dummy settlement. وقد آثرنا ترجمتها بعبارة "مستوطنات الأشباح" أو "مستوطنات زومبي" فهي جسد قائم لا حياة فيه. ونظراً لكل هذه التطورات أصبحت كلمة "صهيونية" (تسيونوت بالعبرية) تعني "كلام مدع أحمق" (صحيفة جيروزاليم بوست، 26 أبريل/ نيسان 1985) وتحمل أيضاً معنى "التباهي بالوطنية بشكل علني مُبالَغ فيه" وتدل على الاتصاف بالسذاجة الشديدة في حقل السياسة (صحيفة إيكونوميست، 21 يوليو/ تموز 1984وكتاب برنارد أفيشاي مأساة الصهيونية، ص 26). ومن الواضح أن حقل الكلمة الدلالي أو منظورها يشير إلى مجموعتين من البشر: صهاينة الخارج، أي الصهاينة التوطينيون الذين يحضرون إلى إسرائيل ويحبون أن يسمعوا الخطب التي لا علاقة لها بالواقع، ولذا فهي ساذجة، مليئة بالادعاءات الحمقاء والتباهي العلني بالوطنية. وتشير في الوقت نفسه إلى الصهاينة الاستيطانيين الذين يعرفون أن الخطب التي عليهم إلقاؤها إن هي إلا خطب جوفاء ومبالغات لفظية لا معنى لها، ولكن عليهم إلقاءها على أية حال حتى يجزل لهم الضيوف العطاء. والمقصود الآن بعبارة مثل "اعطه صهيونية" هو "فلتتفوه بكلام ضخم أجوف لا يحمل أي معنى" فهو صوت بلا معنى، وجسد بلا روح، ودال بدون مدلول، أو كما نقول بالعامية المصرية "هجّص" فالمسألة "هجص في هجص". ويمكن أن نضيف لزيادة الدلالة "والأرزاق على الله" أو فلنُعلمن العبارة ونقول "والأرزاق على الولايات المتحدة ويهود الدياسبورا"!! والله أعلم.

منشور في "الجزيرة.نت" 7 إبريل 2009


العقل العربي بين استقالة الكبار والثورة الدّماغية للصغار

محمد الحمار/ الـ"فوتبول" والـ"كارتون" والـ"كمبيوتر". هذا الثالوث يحدث منذ ما لا يقلّ عن عقد من الزمن ثورة ‏حقيقية في السلوك الدّماغي عند الشباب في كلّ مجتمع تجمّعت فيه النشاطات الثلاثة وبلغت فيه ما يسمّيه ‏علماء تسرّب الأوبئة " الاستعارة شكلية ولا تعكس المضمون " نقطة انطلاق العدوى أوالـ"تربنغ بوينت" ‏باللغة الأجنبية أي مستوى من الاستعمال له من الارتفاع ما يكفي لأن يتحوّل نشاط معيّن من طور ‏الرياضة الشعبية الأولى مثلا "كرة القدم" أو الفنّ السمعي البصري الحديث " الصور المتحرّكة" أو ‏الوسيلة التقنية الحديثة الجديدة "المعلوماتية" إلى سلوك واسع الانتشار.‏ و الثورة التي أحدثها الثالوث المجنون هي عموما عبارة على تحوّلات تراها العين المجرّدة لمّا تتثبّت في ‏طريقة تعامل الشباب مع الواقع حيث أنّ هؤلاء صاروا، كما سنرى لاحقا، "يتلاعبون" بما يدركونه من ‏أفكار و"يرقّصون" ما يجول بصدورهم من أحاسيس و"يرتّبون" ما أفسدوا ترتيبه من خواطر، كأني بهم ‏يجرّبون – بالفطرة- تطبيقات من مجالاتهم المفضّلة الثلاثة فرضت نفسها عليهم وتقبّلوها برحابة صدر. ‏ أمّا الذي استرعى انتباهي على صعيد آخر وبدا لي كأنّه الكفّة الأخرى لنفس الميزان فلا يمتّ بصلة ‏لوسائل الترفيه "والعمل" الثلاثة التي تروق خاصة للصغار، بل له، في المقابل، كلّ الصّلة بما فسد من ‏سلوك الكبار. فوضعية مجتمعاتنا إزاء مسائل التقدّم وسياسات الإنماء وضعية يشوبها نوع من البعثرة ‏وعدم الانسجام. وكأنّي بها في وضع "فوضوي" "نسبة للنظرية العلمية للفوضى" يشبه كثيرا – في ‏فوضويته- وضع الشباب وهم يمارسون، بدون تأطير ولا إدارة، مجمل الحركات والإيحاءات والإيماءات ‏التي تعلّموها "بدون سابق علم من أحد" من استئناسهم بثالوث الإمتاع والمؤانسة.‏ و يتجسّم وضع الكبار في ما يلي: : نقض المقولة الشهيرة "الرجل المناسب في المكان المناسب". ‏فالمدرّسون الممتازون عندنا عادة لا تستهويهم وظيفة متفقّد التعليم.والذين لا يفارقون المساجد في قرانا ‏ومدننا ليسوا هم المنادون بالإصلاح الديني. والذين يناضلون من أجل حرّية الصحافة ليسوا من ‏الصحفيين.والذين يمسكون بناصية القليل من التكنولوجيا التي في حوزتنا ليسوا هم الموالون للعصرنة. ‏والذين يعملون من أجل التعريب وتطوير اللغة العربية ليسوا من مدرّسيها وهلمّ جرّا.‏ والذي يهمّني أن أفهمه بإزاء ما سبق هو: هل يمكن أن تكون هنالك علاقة من النوع البنّاء بين النمطين ‏من "الفوضى"، الفوضى المتأتّية من بوتقة الافتراضي والرياضي "الثالوث" في عالم الشباب، والفوضى ‏المسجّلة في عالم الواقع لدى الكبار"عدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب"؟ فلنسلّط أولا بعض ‏الضوء على نشأة الثالوث المجنون في مجتمعاتنا ثمّ نحاول اكتشاف ما قد يطيب استخدامه من أجل ‏المنفعة التربوية. ‏ فلئن بدأت ممارسة اللعبة الشعبية في الوطن العربي منذ ما يناهز القرن * فإنه لم يتربّ السلوك الكروي ‏‏ ولم يترعرع لدينا حتّى أصبح اليوم ظاهرة تتطلّب الدراسة، إلاّ في السنوات الأخيرة. وهذا النموّ تزامن ‏خاصة مع توسيع رقعة مشاهدي الكرة على شاشة التلفزة و بروز التلفزة العربية المشفّرة في السنوات ‏القليلة الماضية.‏ و مظاهر السلوك الكروي بالذّات تتجسّم بالخصوص في ما نسمّيه عندنا في تونس بـ"الدّخلة" "إلى ‏الملعب" وهواحتفال يسبق بداية كلّ مباراة هامة ببضع دقائق تتجلّى فيه أبهى وأرقى مظاهر التزويق ‏والإنشاد. ولم يكتف شبابنا بذلك النمط من التعبير بل ها هو يدرج برنامجا كاملا لـ"الدخلة" في اليوم ‏المخصص لخوض اختبارات الباكالوريا "الثانوية العامة" في مادة الرياضة.وقد شهدت نهاية شهرأفريل ‏‏"نيسان" من هذه السنة فعاليات أحرجت سلطة الإشراف التربوي وأيضا أحدثت بعض الفوضى في ‏الطريق العام.‏ أمّا الملفت للإنتباه من الناحية الدماغية – وهو موضوعنا- هو أنّ كل شاب تقريبا تراه يتفنّن ويبدع في ‏تخيّل اللقطات الرياضية التي لم يقم بها اللاعب الفلاني أو اللاعب العلاّني ،أو كان عليه أن يقوم بها، ثمّ ‏يتفنّن في ترجمتها إلى حركات. وكأنّي بكلّ من يهوى هذه الرياضة صار أخصّائيا مزاحما لأفضل ‏المدرّبين ولأقوى اللاعبين في فنون القفز والرقص والترقيص والمراوغة والتسلّل.وطالما أنها حركات ‏ناجمة عن إشارات دماغية،ممّا يثبت الترابط الوثيق بين الجسم والدماغ، فأصبح من الضروري أن يحيط ‏المربّون، بعناية فائقة، تلك الانفعالات السلوكية الجسمانية المرفوقة بآليات التخيّل والتّدليل والاستنباط ‏والإثبات وغيرها من آليات الاشتغال الدماغي الذي يستخدمها المتفرج و المشاهد. بكلام آخر، لا بدّ أن ‏يستغلّ المربّون هذه الظاهرة بعنوان التماثل الكيفي بينها وبين ما يعرف في مجال التعليم بـ"زوبعة ‏الدماغ". و بخصوص الـ"كارتون" فحدّث ولا حرج. فمنذ بضعة أعوام كانت دهشتي كبيرة لمّا أخبرني طلاّبي في ‏الثانوية العامة أنّ نهمهم في متابعة أفلام الصور المتحرّكة، على عكس ما كنت أتصوّر، قد ازداد و أنّ ‏أبطالهم هذه الأيام بدءا بـ "بليتش" و مرورا بـ"نانا" ووصولا إلى"داث ناوت" قد تفوق أحيانا شهرة ‏‏"زورو" و"طارزن" عند شباب جيلنا. وليس من الصعب على مدرّس ينوي إقامة مقارنة بين السلوك ‏الحالي "ما بعد الـ"كارتون"" بالسلوك القبلي للطفل أو للمراهق أن يلاحظ "كرتنة" جليّة للسلوك البعدي ‏‏"بفتح الباء" حيث أنّ شباب اليوم صاريعبّر عن وجوده بحركيّة جدّ مماثلة لتلك التي نراها عند أبطال ‏الصور المتحركة. إنهم باتوا أكثريقظة في سلوكهم أثناء التفكير وأكبر"دهاء" في إدراك المعلومة أو ‏النكتة أو العبرة أوالمشكلة من ذي قبل.وهذا ممتاز لوعرف المدرّسون كيف يستغلّونه خير استغلال، ‏أيضا بناءا على أنّ المشهد الذي يفرزه تلاطم الإيحاءات والإيماءات وتفكّك الأحداث هو نظير المشهد ‏الذي تخلّفه "زوبعة الدماغ" في العملية التربوية المدرسية . أمّا عن المعلوماتية فيكفي أن نلاحظ الإقبال الرهيب لدى الشباب وكثير من ميسوري الحال من الكهول ‏على ألعاب الـ"الكنصول" وعلى تطبيقات الحاسوب المتعددة لكي ندرك أنّ المسألة تتعدّى الحمّى ‏العرضية لتصبح عملية دماغية "فضلا عن دورها الظاهري في الترفيه والتسلية والتثقيف" تعرضها ‏علينا الحداثة بكلّ جرأة وعنف لا بدّ علينا أن ندير وجهتها حيث تشاء حاجيات التقدّم لدينا، وإلاّ هبّت ‏زوبعتها على الأخضر واليابس في أرض ثقافتنا.‏ ولئن حدثت نشأة الـ"فوتبول والكارتون والكمبيوتر" "ف- ك- ك ؛ فكّك؟" كلّ واحدة على حدة فيبدو أنّ ‏العولمة فرضتها في ثالوث متماسك ورهيب: أليست سلسلة "الكابتن ماجد" تجسيما لهذا الإتحاد بين الكرة ‏و الصورة المتحرّكة من جهة، وبين الرياضة والتكنولوجيا الرقمية من جهة أخرى؟ وأليس ‏الـ"البروإيفولوشن" أيضا تسجيدا للمزج بين فنّ الكرة والتفنّن الرقمي؟ وهذا ما يضاعف الزوبعة ‏الدماغية بثلاث فيصير الضرر" الذي قد يحصل نظريا في غياب التجذير المعرفي والثقافي" ثلاثا، و ‏الجهد المطلوب للإنقاذ منه كذلك،والسعي من أجل الإفادة و الاستفادة من الوسائل الموجودة كذلك. ومن زاوية أخرى نرى أنّ مسؤولية المتابعة لا تقتصر على تربية جمهور الشباب على أفضل الطرق ‏لاستخدام ثالوث الترفيه وشحذ آليات التفكير، بل تنطوي أيضا على إصلاح ما سمح بتعريته الثالوث من ‏شوائب في عالم الكبار. فحدود نموّ الوسائل الثلاثة ليست واضحة بشكل علمي "ربّما في غياب دراسة ‏في هذا الصدد" ولكنّ الذي تسمح لنا برصده طريقة الفينومينولوجيا قد يكون كاف لا فقط لشحذ عزائم ‏المربّين من أجل حصول الإفادة والاستفادة لدى شبابهم من الطلاّب، وهم الذين يجب أن يسعدنا ولعهم ‏بالثالوث العجيب، ولكن أيضا لإنذارنا بالخطر المحدق في مجالات نشاط الكبار. وليس لمجتمعاتنا أي ّ ‏خيار سوى التضحية بمن كبر منّا على مواكبة حمّى الصغار، وبمن لا يكسب المهارة في مغازلة ‏التكنولوجيا وفي بناء ما تسمح به هذه من ثنائيات مع أشكال معرفية قديمة، وبمن لا يقدر على اعتماد ‏التكنولوجيا وما جدّ من أشكال معرفية بفضلها، في أيّ تشييد صحّي وخال من التسوّس التاريخي ‏‏"والتاريخاني" للمستقبل، و في كلمة، بمن فاته أوان التربية.‏ فالعقل العربي مطالب، في ظلّ الثورات الدّماغية الثلاث، بتشبيب نفسه. وليس التشبيب باستبدال من ‏أحيل على المعاش بمن تخرّج لتوّه من الكلّية أو"البوليتكنك"، بل أوّله إدراج لمسلّمة "الرجل المناسب في ‏المكان المناسب" ضمن أوكد حاجياتنا ، وآخره تأهيل للعقول يرمي إلى استبطان قيم التكنولوجيا ابتغاء ‏شحذ مهارات التفكيك وإعادة التركيب لدى الشباب حتّى تحين ساعة تبليط ما تمّت تعريته من سبل كان ‏يغشاها الحطام و تسوية ما تمّ تقويمه من طرق كانت معوجّة.‏ لقد قال الأقدمون إنّ ربّ ضارّة نافعة، و أليس حريّ بنا أن نقول أيضا إنّ ربّ زوبعة نافعة طالما أنّ من ‏الزوابع في العقل العربي والمنابع ما يجب أن يتابع بكلّ دقّة وطوارئ؟

** منشور بصحيفة "العرب اللندنية" - 25 مايو 2009

حنظلَة.. كما هوَ ، دايرْ ظهرُه للعالم !

عائشَة السيفيّ/ قبلَ أن أولدَ بعَام.. رحلَ صاحبهُ مُغتالاً برصاصةٍ استقرت أسفلَ عينهِ اليمين.. والآن بعدَ اثنين وعشرينَ عاماً من موتِ صاحبهِ.. أصبحَ الأطفالُ الذينَ لم يخلقُوا في بطُون أمّهاتهم حينَ ماتَ شباباً.. وأصبحَ الشبابُ الذينَ عاصرُوا موتهُ كهولا.. ورغمَ ذلك فحنظلة كمَا هو.. لم تغيّر منهُ سنوَاتُ الحياةِ شيئاً.. لا يزالُ على سنينهِ العشر.. عاقدًا يديهِ.. ومعرضاً بظهرهِ عن العالمِ كلّه.. يالهُ من حنظلة هذا العصيّ على الدهر.. الواقفُ الزمانُ على قدميهِ.. لا يشيخُ ولا يفنَى! ولا غيّرتُ منهُ سنوَات الموتِ منذُ 1987 نظرتهُ التهكميّة، تماماً ولا قرّر أن يبتسمَ لحظة ً ثمّ يعود إلى تقطيبتهِ المعتادَة.. تلكَ التقطيبَة التيْ يلمحهَا القارئُ منَ الخلفِ منذُ رسمهُ صاحبهُ بها لم تتغيّر.. وربّما لأن كلّ ما رآه من مآسي شعبهِ كانَ أكبر من أنْ تستحقَ ابتسامةٌ واحدَة أن تتحمّله.. حنظلَة هذا.. الرّجل في جسدِ طفل! هكذا قرّر ناجي العَلي - رسّام الكاريكاتيُور العالميّ ـ أن يكونَ قدر "حنظلَة".. قبلَ 40 عاماً.. منذُ قرّر أن يكونَ حنظلَة شخصيّة كاريكَاتيوراتهِ الرئيسَة.. ومنذ ُ أن قرّر جعلـَهُ شاهداً على معاناةِ شعبه.. وكانَ ما قرّر! ناجيْ العلي تنبّأ أن تكونَ الرّسالة التيْ عهدَ على نفسهِ أن يؤدّيها حتى النهايَة هيَ الرصَاصة التي تودي بحيَاتهِ ولأجلِ ذلكَ قرّر أن يكونَ حنظلة حاضراً في كلّ مشهد.. في كلّ صرخة.. وأن يكونَ كالشّبح ! ينتقلُ من بقعةٍ لأخرى ليعاصرِ مصيرَ شعبهِ المتأرجحِ.. وليؤرّخ كلّ شيء متعلقٍ بفلسطينيّتهِ وعربيّتهِ.. وحينَ سئلَ ناجي العليّ.. متَى يمُوت حنظلَة أجابَ (هذا المخلوقُ الذي ابتدعتُه لنْ ينتهِي منْ بَعدِي ، بالتأكيدِ ، وربّما لا أبالغُ إذا قلتُ أنّي قدْ أستمرُ بهِ بعدَ موتِي) هلْ كانَ ناجي العلي يقرأ القادم؟ حينَ يموتُ ناجي ! ويحيَا حنظلَة؟ نعَم.. شاختِ الوجُوه ، والمَبادئ ، وشاخ مخيّم عين الحلوَة بلبنان الذي أمضَى ناجي العليّ سنواتِ عمرهِ بهِ.. وشاختِ الأقبية ، ووقعتِ الحرُوب واغتيلتِ الشخصيّات الفلسطينيّة التيْ عاصرتْ حنظلة.. وكما هُو.. ظلّ حنظلَة صغيراً بسنوَاتهِ العشر التيْ قالَ صاحبهُ عنها.. "أنّ حنظلة ولدَ وعمرهُ عشرُ سنوات.. ولنْ يتحرّك سنة ً للوراءِ ولا للخلف.. سيظلّ دائماً هكذا.." خرّيج السُجُون المحترف ناجي العلي الذي حينَ سئلَ كم مرّة ً دخل السجن أجابَ.. من كثرةِ ما زرتها نسيتُ أن أحصيها.. والسجُون كذلك لمْ تعد كما كانتْ ولم تعدِ الجدرانُ الاسمنيّة بتلك القوة التيْ رسمَ عليها ناجي العلي حنظلتهُ.. الجدرَان اعتلت.. وهوَ كما هو.. يخبرُ خرّيجي السجون أنّ هنالك رجلاً كان هنا قبلَ 40 عاماً.. يختصرُ العالم في رسمَة واحدَة.. وهوَ ليسَ منحازاً لأيّ شيءٍ سوَى للمظلومين.. سوَى للانسانِ المسحُوق تحتَ الاحتلال والظلم.. من يصدّق أنّ رساماً كاريكاتيورياً استطَاع أن يرسمَ حنظلَة في 40 ألف رسمَة كاريكاتُور دونَ أن يجعلَ من حضُور حنظلة حضوراً مملاً أو متكرراً.. ولم يجعل من شخصيّاتِه الأساسيّة طريقة ً مبتذلَة لإقناعِ الآخر بفكرتهِ.. ولأجلِ ذلكَ كانتْ فاطمة.. شخصيّة الكاريكاتيُور الشهيرة الحاضرَة دائماً في رسُومات ناجي العليّ ممثلة ً الأمّ الفلسطينيّة.. التيْ ترفعُ من أزرِ زوجها دائماً.. الذيْ قد يتخاذلُ في بعضِ الأحيانِ لكنّ فاطمَة تمارسُ دورها غير الاعتياديّ.. حينَ يلينُ زوجها تقسُو فاطمَة.. وفي أقسَى ورطَات الحرب تبدُو فاطمَة "الحزينَة دائماً" متماسكَة.. رابطَة الجأش ! تظهرُ فاطمَة.. تمسكُ في إحدَى المشاهدِ بيدها اليسارِ طفلها وهيَ ترضعهُ من صدرها.. وفي يدها اليَمين ، تنظّف بندقيّة زوجها الذاهب لمواجهةِ جنودِ الاحتلالِ.. وفي إحدَى الصور.. تحرقُ النقُود التيْ أغريَ بها زوجها ليصبحَ عميلاً لأحدِ الأنظمَة وهي تقُول: (الله يعمي عيُوني قبل ما أشوفكْ عميل ! ) بفَاطمة.. وحنظلة وزوجها.. وشخصياتٍ أخرى ، قرّر ناجي العلي أن يجابهَ السّلاح.. بسلاحٍ آخر.. تحوّل هؤلاء إلى طريقةِ ناجي الخاصّة في الرّفض وهؤلاءِ أصبحُوا لاحقاً مصدرَ إحراجٍ للأنظمَة المستبدّة التيْ لم تجد طريقة ً أخرى لإسكاتِ ناجي سوَى بإسكَاتِ روحهِ.. سقط َ ناجي العلي في لندن.. كما أرَاد حينَ قال ( ياللي بدو يرسم لفلسطين يعرف نفسه ميت ميت.. وأنا بديش أتحرك عن مبادئي ولو شعرة واحدة) ظلّ قتلةُ ناجي مجهولينَ لأعوامٍ حتّى فجرتْ صحيفَة اسرائيليّة نشرت بعد مقتلهِ بسنواتٍ قائمَة بالعمليّات الناجحة التيْ قامَ بها جهازُ المخابراتِ الاسرائيليّ لاغتيَالِ شخصياتٍ فلسطينيةٍ مدرجة ً ناجي العلي ضمنَ القائمَة لمْ يتعلّم ناجيْ العلي كيفَ يرسم؟ فقد علّمه الحزن ذلك.. وعلّمتهُ حياةُ التشرّد التي عاشها منذُ ولد في وطنهِ وأجلاهُ الاحتلالُ طفلاً إلى لبنان.. وعلّمتهُ السجُون الكثيرة المتشابهَة التيْ مكثَ بها كيفَ يجعلُ من الحزنِ مادة ً للضحك.. وكيفَ يجعلُ من الظلمِ والاستبداد مادة ً للسخريَة ! يكملُ ناجي العلي.. اثنينِ وعشرين عاماً وهوَ يرقدُ في قبرهِ غير الاختياريّ في لندن.. الذيْ عجزَ أقاربهُ أن يحققوا لهُ أمنيتهُ بأن يدفنَ بجانبِ والدهِ في مخيّم عين الحلوة.. دونَ أن يمنحَ الملايينَ الذينَ أحبّوه أمنيتهُم بأنْ يرَوا شكلَ "حنظلَة" الذيْ قالَ ناجيْ العلي أنهُ سيريْ وجههُ للعالمِ حينَ تصبحُ الكرَامة العربيّة بأمان.. وينتهيْ خوفُ الانسانِ العربيّ من فقدانِ حريّتهِ وهوَ ما لمْ يحدث.. هكذا إذن كانَ قدر حنظلة.. المطلوبُ حياً أو ميتاً ألا يعرفَ أحدٌ ما بأيّ شكلٍ هو.. وبأيِ وجهٍ يطالعُ بهِ العالمَ.. ومنذُ كتَّفَ ناجي يديْ حنظلَة إلى الخلف.. لم يرفع حنظلة يديهِ أبداً.. ظلّ كما هوَ رافضاً لأيّ مساومَة على وطنهِ.. غير مهادنٍ لأيّ نظامٍ يمسّ كرامة الانسانِ فيهِ.. حنظلَة ابنُ المرارة.. وسيظلُ كذلك.. سنكبرُ نحنُ بعدَ عشرين عاماً.. ونشيخ.. سوفَ تملأ التجاعيدُ أوجهنا.. وينمُو شعرنا ثمّ يسقط لكنّ حنظلة سيحتفظُ بطفولتهِ الصعبة.. وبرقمِ سنوَاتهِ الصعب.. وسيظلّ شعرُ رأسهِ كذلكَ كما هوَ.. بسحنتهِ الساخرَة.. نصفَ حليقٍ.. لا ينمُو أبداً.. الزّمان يمضيْ.. والأمكنَة تتغيّر.. وناجيْ العلي لمْ يعد معنياً بالعالم.. فقدْ تركَ أمانتهُ حية ً.. مطمئناً إلى أنّ أيّ رصاصةٍ لن تستطيعَ إسكَاتَ طفلهِ الذيْ رسمهُ.. هذا الحنظلَة غير الرّاغب في الموت.. غير الآبهِ بنا ونحنُ نشيخُ.. غيرُ المعنيّ بأيّ شيءٍ سوَى بالأوطانِ المسلوبة.. يقفُ حنظلة كما هوَ "داير ظهرُو للعالم".. مكتّف اليدين من الخلف.. بثيابهِ الرثّة وحتى بالرقعَة في كمّ قميصهِ اليمين.. بوجههِ المجهولِ لا شيءَ يطالهُ ، بلا مبالاتهِ المعتادَة يقفُ وبطريقتهِ التهكميّة الحزينة.. حنظلَة ابنُ السجُون.. وخرّيج معاهدِ الحزن.. التيْ حفرتْ في ريشةِ صاحبهِ ذلك الوعيَ الذي لم يأخذهُ من معاهدِ الرّسم.. بلْ من معهدِ الحياةِ التيْ علّمتهُ "لا مسَاومة على الوطن!" وعلّمتهُ بألا ينحازَ لأحدٍ سوَى لأولئكَ المنسيينَ تحتَ أقدامِ الاحتلال.. يمارسُون الحياة ولكنْ بطريقتهمِ السّاخرة.. الشبيهَة بطريقَة "حنظلة".. المشَاكس الذيْ رأى العالمَ وعمرهُ عشرُ سنوات.. وسينتهيْ العالمُ وحنظلة بسنواتهِ العشر لا يشيخ..

** منشور بصحيفة "الوطن" العمانية 3 سبتمبر 2009