Slider

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

كلامولوجيا

المرآة في المرآة


أريدُ أن أسترْجِعَ العُمْرَ الذي
خَبّأتُهُ في داخِلِ المرايا ...
د. سعاد الصباح

مرآتي
يا مرآتي الجميلة
التاريخ على صفحة المرآة

إن أقدم مرآة وصلت إلينا كانت من مصر الفرعونية وتعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وهي محفوظة اليوم في متحف القاهرة. والغريب أن تاريخ صنع هذه المرآة يتزامن مع ولادة أسطورة نرسيس. فهل هي صدفة أن تولد المرآة مع ولادة فردية الإنسان واهتمامه بنفسه فور خروجه من عتمة ما قبل التاريخ؟ ألا يصح القول هنا أن نظرة نرسيس إلى المياه - المرآة كانت أول فعل اكتشاف الإنسان لنفسه؟

المصريون، الإغريق، الفينيقيون، الأتروسكيون، الرومان.. استعملوا المرايا كأدوات منزلية وللزينة. لكن مرايا الماضي كانت تختلف عن تلك التي نستخدمها اليوم. فقد كانت صغيرة الحجم تصنع يدوياً على شكل أسطوانات أو أقراص محدّبة قليلاً. وكانت إحدى صفحتي القرص تصقل صقلاً شديداً كي تعكس الصورة بشكل طبيعي وواضح. كما أن ثمنها كان باهظاً؛ لأنها كانت تصنع من المعادن الثمينة كالبرونز والفضة والذهب. ولم تظهر المرايا كبيرة الحجم التي تظهر الجسم كاملاً إلا في القرن الأول بعد الميلاد. أما استخدام الزجاج المطلي بالصهارة المعدنية فلم يبدأ إلا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.

وظلّت المرايا معروفة على هذا النحو إلى ما بعد العصور الوسطى. ففي القرن السادس عشر طرأ تطوّر ملحوظ على صناعة المرايا، وما إن أطلَّ عصر النهضة حتى كان لمدينة نورنبرغ والبندقية صيتٌ ذائعٌ في إنتاج المرايا، وامتازت تلك المرايا المصنوعة في جزيرة مورانو Murano قرب البندقية بجودتها العالية.

وعلى الرغم من القيود التي فرضها قُضاة البندقية على العاملين في صناعة المرايا، إلا أن هؤلاء لم يتأخّروا، بفعل الإغراءات المادية، عن حمل أسرار هذه المهنة ونشرها في مدن أخرى في أوروبا مثل لندن وباريس. وكانت المرايا في ذاك الحين لا تزال باهظة الأثمان، ومن معالم الثراء والأبهة والمكانة الاجتماعية العالية. ولذا، فليس عجباً أن يكون لقصر فرساي في فرنسا ذلك الإبهار الصارخ بعدما تزينت أكبر قاعاته بعدد كبير من المرايا العملاقة المواجهة للنوافذ الكبيرة.

وعلى الرغم من أن سقف القاعة مزين برسوم رائعة لأستاذ الكلاسيكية الفرنسية لوبرون، فإن المرايا هي التي أعطت اسمها لهذه القاعة. وفي قاعة المرايا هذه أعلنت الوحدة الألمانية عام 1870م، بعد هزيمة فرنسا في حربها مع بروسيا، وفي القاعة نفسها أعلنت نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، كي تثأر فرنسا من هزيمتها القديمة.

وارتبط تطور استخدام المرايا بتطور صناعتها. فحتى القرن التاسع عشر كانت ألواح الزجاج تُغطى من الخلف، بصحيفة رقيقة من المعدن العاكس، وهو عبارة عن مزيج من الزئيق والقصدير. وفي العام 1835م، كان جوستس فون ليبغ أول من بدأ عملية طلاء لوح الزجاج بفضة معدنية. وبهذه الخطوة الرائدة، فتح المجال أمام التقنيات الحديثة في صنع المرايا: وضع طبقة رقيقة من الألومنيوم أو الفضة على السطح الخلفي للوح الزجاجي. على عكس المرايا التي تُستخدم في المنظارات والأدوات البصرية الأخرى، حيث السطح الأمامي للوح الزجاجي هو الذي يُطلى بالفضة أو الألومنيوم.

وقد سمحت التقنيات الحديثة قليلة التكاليف باستخدام المرايا بشكل واسع بدءاً من القرن التاسع عشر، ولم يعد استخدامها محصوراً بقطع الأثاث المنزلي كخزائن الملابس، وبوفيهات غرف الطعام، بل أصبحت تستخدم في مجالات لا حصر لها، بدءاً بغرف النوم، وصولاً إلى السيارات في الشوارع.

مرآتي ... يا مرآتي الجميلة

المرآة رفيقة المرأة، في البيت وفي السيارة وفي حقيبة اليد، بل في كل مكان ترى فيه المرأة وجهها حتى ولو كان سطحاً صقيلاً.

تطول وقفتها قبالة المرآة. تنظر إلى جمالها ومحاسنها.. تسرّح شعرها.. تتأمل هندامها وزينتها، وقد قيل في بعض الأمثال: المرآة روح المرأة كما السيف روح المحارب.

وإذا ما كانت المرآة تعكس مظهر المرأة الخارجي، فهل هي تعكس أيضاً شخصيتها الداخلية؟! لنر.. وسنجد أنفسنا نُقرّ بصحّة جوانب عديدة من هذه الاعتقادات.

يُقال إن صاحبة الشخصية المبتسمة هي التي تبتسم كلّما نظرت في المرآة؛ ذلك لأنها تكون راضية عن نفسها، بشوشة، محبّة للآخرين وصديقة لِمن حَوْلها.

أما المرأة التي تُطيل النظر في المرآة وتتأمل عينيها ووجهها بعناية شديدة، فهي صاحبة شخصية تأمّلية، تحاول أن تجد أجوبة عن تساؤلاتها وحيرتها من خلال نظراتها المتمعّنة في عينيها.
وصاحبة الشخصية المُتشائمة هي التي، عندما تنظر في المرآة، ترى كل شيء إلاَّ نفسها، حتى جمالها لا تراه. إذ تظن أن المرآة لا تعكس إلاَّ ما هو قبيح.
والمرأة الحالمة هي التي تُطيل النظر في المرآة وكأنها شاشة سحرية تريد أن ترى فيها كل ما كانت تتمناه في الماضي، وكل الحاضر حولها، وما تحلم به أو تريد تحقيقه في المستقبل.
هذا، بعكس تلك التي تتجنّب النظر إلى المرآة، وتُشيح بوجهها عنها إذا تَصادف وجودها قبالتها، فهذه المرأة هي صاحبة شخصية رافضة، غير اجتماعية، لا تهتم كثيراً للمظهر الخارجي، وإنّما يهمّها الموضوع والجوهر.

ويُقال أيضاً إن صاحبة الشخصية الحزينة العاطفية، هي التي تقف بصمت أمام المرآة، وتركّز النظر إلى العينين لتُجسّد حُزنها برؤية الدموع تنهمر منهما، وقد تكون الرغبة في البكاء هي سبب وقوفها أمام المرآة.
وهناك نساء لا يستطعن منع أنفسهن من النظر إلى أية مرآة تُقابلهن، أو حتى إلى أي سطح زجاجي أو سطح عاكس. فمثل هذه المرأة تتمتع بشخصية حساسة تهتم بمتابعة أحدث خطوط الموضة، وعادة ما تكون ممن يمارسْن الرياضة فهي تحب المحافظة على رشاقتها، وتميل إلى التنسيق والديكور، وتحب الملابس والعطور.
وربما أفضل تسمية لصاحبة هذه الشخصية هي عاشقة المرآة .

يقول أحد خبراء التجميل إنه لا يمكن تحديد علاقة المرأة بالمرآة بمواصفات ثابتة. فهي علاقة متغيّرة تبعاً للمزاجات البيولوجية والحالات النفسية.
أما الإكثار من التطلع إلى المرآة فقد يوجد في نفس المرأة ما هو غير الرضا عن الذات، خاصةً إذا تمنعت بسماتها التي خصها بها الخالق، وسعت إلى مقارنتها بالصورة المتخيلة التي نسجتها لنفسها في ذهنها.
فهذا ما دفع ويدفع نساء عديدات إلى الإكثار من العمليات الجراحية التجميلية التي أفقدتهن جمالهن الطبيعي. فبتنا نرى وجوهاً مركبة متشابهة، لا تنسجم مع الحقيقة الشخصية.

والرجل أيضاً

وإن تكون المرآة رفيقة المرأة الدائمة، في غرفة النوم، وفي حقيبتها اليدوية، وفي مركز التجميل.. فهذا لا يعني أن المرأة احتكرت المرآة.
فقد أظهر استطلاع نشرته الصحف قبل أسابيع في فرنسا أن 81 في المئة من النساء و74 في المئة من الرجال ينظرون إلى المرآة مرة على الأقل في اليوم.
فمهما بلغ إهمال الرجل لهندامه ومظهره الخارجي، فهو مضطر إلى التطلع إلى المرآة عند حلاقة ذقنه كل صباح. فالمرآة وحدها تستطيع أن تدل يده الممسكة بشفرة الحلاقة.. ووحدها تخبره أنه أتم الحلاقة بشكل جيد. هذا إذا استطاع أن يستغني عنها عند تصفيف شعره.

وفي محلات الحلاقة الرجالية، لا يقل حجم المرايا ودورها عما هي عليه في مراكز التجميل النسائية. فإضافة إلى المرآة الرئيسة التي يجلس أمامها الرجل لنصف ساعة مستسلماً إلى أنامل الحلاّق، لا بد وأن يلجأ هذا الأخير إلى مرآة ثانية أصغر حجماً بعد أن يتم عمله، فيضعها خلف رأس الزبون، لتنعكس بدورها على المرآة الكبيرة أمامه، وتسمح له بالتالي برؤية شكل رأسه من الخلف.. الشيء الذي لم ولن يستطيع أي إنسان أن يراه من دون المرآة.

أنواعهــا

تختلف الصور التي تعكسها المرآة باختلاف شكل المرآة. وهناك ثلاثة أنواع رئيسة من المرايا، هي:

1 - المرايا المستوية
للمرايا المستوية أسطح مستوية وتُعد معظم المرايا المستخدمة في حياتنا اليومية من هذا النوع. ويسمّى الخط المتعامِد على المرآة المستوية في أية نقطة انعكاساً عمودياً ، ويرتطم الضوء بالمرآة بزاوية ما إلى الخط العمودي، تُسمى زاوية السقوط. وينعكس الضوء بزاوية مساوية على الجانب الآخر من الخط العمودي. وتسمى هذه زاوية الانعكاس. وهاتان الزاويتان متساويتان دائماً.

والصورة التي تتكوّن على المرآة المستوية، التي تبدو كأنها خلف المرآة، هي صورة تقديرية كما أنّها قائمة أي أن طرفها الصحيح إلى الأعلى، لكنها معكوسة من اليسار إلى اليمين. وقد تكون الصورة في حجم الجسم نفسه الذي تعكسه، وتبدو مُتعادِلة البُعد من المرآة.

2 - المرايا المحدّبة
وهي تشبه الجزء المقوّس من السطح الخارجي للجسم الكُروي. وفي حالة إنارة المرآة المحدّبة بأشعة متوازية من الضوء، فإن الضوء المنعكس يبدو وكأنّه يأتي من نقطة خلف المرآة تُسمّى البؤرة . وتقع البؤرة في منتصف المسافة بين المرآة ومركز تقوّس المرآة. وهو مركز الجسم الكروي الذي تشكّل المرآة جزءاً منه.

تكوّن المرآة المحدّبة صوراً تقديرية قائمة لكنّها مُصَغَّرة، أي أصغر من الأجسام التي تعكسها. وتوجد في كثيرٍ من السيارات مرايا رؤيةٍ خلفيةٍ محدّبة كي تزوِّد السائق بمجال رؤية أوسع مما تزوّده به المرايا المستوية.

3 - المرايا المقعّرة
وهي تُشبه الجزء المقوّس المجُوَّف من السطح الداخلي للشكل الكُرَوي. وتتواجد كلّ من البؤرة ومركز البؤرة أمام المرآة. كما أن البؤرة بؤرة حقيقية، وذلك لأن أشعة الشمس المتوازية المرتطمة بالمرآة تتلاقى في هذه النقطة عند انعكاسها. وتستخدم أفران الطاقة الشمسية المرايا المقَعَّرة لتركيز أشعة الشمس.

تكون الصورة التي تظهر على المرآة المقعّرة صورة تقديرية قائمة ومكبّرة. وتشمل المرايا المقعّرة مرايا الحلاقة ومرايا الزينة. وعادة ما ينتج نوعا المرايا المحدّبة والمرايا المقعّرة صورة مشوّهة إلى حدٍّ ما.

المرآة وديمومة الأمل
في الفن والأدب

مالي أحدق في المرآة أسألها: بأي ثوب من الأثواب ألقاه في هذه الأغنية التي أنشدتها نجاة الصغيرة من كلمات نزار قباني، تظهر المرآة فجأة أمام أعيننا بوظيفتها المزدوجة. فهي من ناحية، مجرد لوحة تعكس النور والصورة المماثلة في مواجهتها – وهذه وظيفتها الفيزيائية – ومن ناحية ثانية، هي متحدث يتوجه إليه المرء سائلاً متأملاً شاكياً، ما يعني أن لها وظيفة أخرى غير وظيفتها الأولى. ومنذ نرسيس (الذي رأى صورته منعكسة في الماء فذهل بجماله من دون أن يعرف أن الصورة صورته ومات دون أن يتمكن من العثور على ذلك الكائن الجميل الذي هو بنفسه)، وحتى وصولاً إلى الشعراء والفنانين الذين شكلت المرآة واحداً من مصادر إلهامهم، تجاوزت المرآة كثيراً وفي العمق، وظيفتها الأولى، لتدخل في الوظيفة الثانية.

والحقيقة أن المبدعين، جعلوا من المرآة دائماً، العنصر المكمل للساعة (الزمن) وللنافذة (الانفتاح على الخارج.. الآخر)، باعتبارها إطلالة على الداخل؛ لأن المرآة هي في المقام الأول، الحيز الذي يرى فيه المرء نفسه، واقعياً ورمزياً في آنٍ معاً. ومن هنا، فإن نجاة الصغيرة حين تتوجه بالحديث إلى مرآتها. فإنها إنما تتوجه به إلى ذاتها إلى داخلها. ولطالما فرّغ البائسون والفرحون، القلقون والمنتظرون، شؤونهم وشجونهم في ذلك المسطح الذي قد يكون من النادر مشاهدة فيلم من الأفلام إلا وله فيه حضور.

تسلية وإثارة للفضول
ومع هذا، ربما تكون المرآة الأشهر في تاريخ الأدب، هي تلك اللوحة التي لا علاقة لها بالمرآة الواقعية، والتي رُسم عليها دوريان غراب - في رواية أوسكار وايلد – وفيما بقي دوريان شاباً، راحت صورته في اللوحة تشيخ. والحال أن أحداً غير النرجسي وايلد ما كان في مقدوره أن يكتب مثل هذه الرواية.

وكذلك كان صعباً على أي سينمائي آخر، غير أورسون ويلز، أن يترك لنا ذلك المشهد الرائع والغامض في فيلمه سيدة من شانغهاي ، حيث تعكس عشرات المرايا صورته وامرأته، ريتا هايوارث، بطلة فيلمه وشريكة حياته في ذلك الحين (أواسط أربعينيات القرن العشرين). وهذه الصورة، حتى خارج سياق الفيلم، تبدو الأشهر في تاريخ السينما.

إذاً، المرآة التي ولدت في أسطورة نرسيس التي يرويها لنا أوفيد في مسخ الكائنات ، امتزجت على مر الزمن بالغموض، ولكن أيضاً بالتفات المرء إلى داخل ذاته. هذه الذات التي كثيراً ما عبر الفنانون والكتاب عن الرغبة في التسلل إليها، عبر العبور إلى الجانب الآخر من المرآة ( أليس في بلاد العجائب للويس كارول). ولقد عزز من تعامل المبدعين هذا مع المرآة، فكرة أنها، بمقدار ما نحدق نحن فيها، تحدق هي فينا، في لعبة تبادلية تبدو أحياناً مسلية، وأحياناً مثيرة للفضول، ولكن – في أحيان كثيرة – مثيرة للرعب أيضاً، ما يجعل خوف الإنسان من ذاته، الخوف الأكبر الذي اعتراه ويعتريه على مر الأزمان.

على صفحة المرآة
ومنذ القدم شقت المرآة طريقها، من الأسطورة إلى السينما والشعر الحديث، وصولاً، مثلاً، إلى الشاعرة الإنجليزية سيلفيا بلايت (1932 – 1963م) التي وصفت في قصيدتها الأشهر مرآة ، ما روته المرآة نفسها حول سيدة عجوز تأتي لتحدق فيها كل صباح، تاركة عندها الفتاة الشابة الحسناء التي كانتها ذات يوم.. حتى اللحظة التي تتحول فيها هذه المرآة الراوية إلى بحيرة تنحني عليها العجوز باحثة عما هي عليه حقاً على صفحتي اللامعة .

أما المهتم الأكبر بالمرآة، فكان فرويد، عالم التحليل النفسي، الذي وصف الأحلام كلها بأنها ليست شيئاً آخر سوى مرآة الشعور، أي الصفحة التي تنعكس عليها مخاوفنا وآمالنا وضروب قلقنا، حين نخلد إلى النوم، وبدلاً من أن نحدق في المرآة متسائلين عن ذواتـنا، شكلاً ومضموناً، نحدق في تلك المرآة الداخلية طارحين عليها آلاف المشاعر والإحباطات والتمنيات.

المرآة في الفن
ظهرت المرآة في فن الرسم مع ظهور اللوحات الأولى ذوات المواضيع الدنيوية غير الدينية في القرن الخامس عشر الميلادي. ففي ذلك العصر رسم الفنان الفلامنكي جان فان إيك صورة أرنولفيني وزوجته ، وهي اللوحة الأولى في تاريخ الفن التي تظهر أناساً لا ينتمون إلى الأرستقراطية. وفي هذه اللوحة نرى رجلاً واقفاً قرب زوجته، وخلفهما على الحائط مرآة مستديرة. وبالتمعن في المرآة نرى الرسام نفسه وإلى جانبه رجل دين يعقد قران الرجل والمرأة. وبالتالي أصبح سر اللوحة كله في المرآة التي تقول لنا أننا أمام صورة عقد زواج.

وحافظت المرآة لأكثر من قرن على هذا الدور الذي يسمح للفنان بأن يضيف إلى لوحته المزيد من الأخبار من دون أن يثقل تركيبها العام. ففي القرن السادس عشر رسم الفلامنكي أيضاً كانتان ماتسيس المرابي وزوجته ، حيث نرى رجلاً يمسك بميزان صغير. وأمامه على الطاولة كمية من الذهب، ومرآة مستديرة. وتعكس المرآة وجه رجل يقف خلف الرسام، يبدو عليه الهم والحزن، وأيضاً نافذة مفتوحة على الخارج.
ومن مدرسة فونتنبلو الفرنسية التي ازدهرت في القرن السادس عشر، وصلت لوحة تمثل الأميرة غابريل ديستريه الحامل، وفي المرآة خلفها انعكست صورة الوصيفة أو المربية تحيك ثوباً من الصوف للطفل المنتظر.
واستمر حضور المرآة في لوحات يستحيل لتعدادها أن ينتهي حتى القرن التاسع عشر، وأحياناً كموضوع رئيس في اللوحة كما هو حال السيدة والمرآة للرسام ويستلر، حيث نرى التعبير على وجه المرأة في المرآة يكمل التعبير البادي على وجهها في الجزء الظاهر مباشرة منه.
غير أن الدور الأهم الذي لعبته المرآة في تاريخ الفن، كان في أن إليها يعود الفضل في معرفتنا لما كانت عليه شخصيات الفنانين ونفسياتهم أيضاً. فمئات الفنانين رسموا أنفسهم في صور ذاتية . ووسيلتهم إلى ذلك كانت في التطلع إلى المرآة. بعضهم اكتفى بالتطلع إلى مرآة واحدة. وبعضهم أدرك أن الدقة في نقل تقاسيم الوجه تقتضي باستخدام مرآتين. الأولى لتعكس الوجه، والثانية مقابل المرآة الأولى لتعيد إلى اليمين ما هو إلى اليمين، وإلى اليسار ما هو إلى اليسار، كما هو الحال في الصورة الذاتية التي رسمها لنفسه الفرنسي نيكولا بوسان.
ومن الفنانين من أعاد رسم صورته الذاتية مرات ومرات كما هو حال الهولندي وامبراندت، لتسجيل ما هو أعمق من الملامح الشخصية الظاهرية، وصولاً إلى حالته النفسية التي كانت تعرف تقلبات عنيفة بسبب سلسلة من المآسي ألمت به، فبقيت مجموعة اللوحات هذه شاهداً على هذه التقلبات وتوثيقاً أميناً لها.
وفي مثل هذه الحالات، يجد المتفرج نفسه أمام لغة مزدوجة الدلالة، حيث يقف هو متفرجاً على شخصيته مرسومة تتفرج بدورها على ذاتها. والحقيقة أن هذا يقودنا هنا إلى الحديث عن نمط شديد الدفع في اتجاه الإغراق في الذاتية، من أنماط الفن الحديث، اشتهر به الفنان الفرنسي مونوري، الذي جعل جزءاً من لوحته قطعة مرآة حقيقية، حين يقف المتفرج إزاءها، تنعكس صورته على اللوحة فيصبح جزءاً منها. ومثل هذا يحدث أيضاً في بعض الفنون الاستعراضية، حيث يلجأ المخرج إلى جعل الديكور الخلفي للاستعراض كله مرآة كبيرة، يشاهد فيها الحضور من المتفرجين أنفسهم معكوسين فيها، ما يجعلهم يبدون جزءاً من المشهد الاحتفالي حتى ولو اقتصر دورهم على أن يكونوا مجرد زينة أو ديكور.

مرايا لكل شيء
ومهما يكن، فإن هذا كله – أي حضور المرآة في الفن والأدب – يقودنا إلى قطع تلك الخطوة التي نجد أننا من بعدها أمام الدور الأساس الذي تلعبه الفنون والآداب في حياة المتلقين ووجدانهم، كما هي الحال في تعاطي فرويد مع الأحلام: إذ، هنا أيضاً يمكننا أن نفهم من الأعمال الفنية أنها، بدورها، مرآة لحياة البشر. إذ وكما أن جزءاً أساساً من الاستمتاع بالفنون، ينبع من رغبة الإنسان، اللاشعورية أحياناً، في أن يتلصص على حياة الآخرين، كذلك فإن جزءاً أساساً آخر من ذلك الاستمتاع ينبع من رغبة هذا الإنسان، اللاشعورية كذلك، في سبر أغوار داخله. فتماماً كما أن الإنسان ما كان في وسعه أن يدرك صورته الحقيقية لو لم يخترع المرآة – أو يكتشفها إذا أردتم -، كذلك كان من الصعب جداً على هذا الإنسان أن يدرك ماهيته وداخله وحقيقة عواطفه وردود فعله لولا تلك المرآة الذاتية التي شكلها الأدب والفن.

من هنا، لم يكن غريباً أن يستعمل كثر من الأدباء والمفكرين رمزية المرآة واسمها في أعمالهم، عنونةً وتلخيصاً، بدءاً من تلك الموسوعة الضخمة المتعلقة بكل المعارف والتي وضعها الفرنسي فنسان دي يونيه في القرن الثالث عشر الميلادي بعنوان المرآة الكبيرة واعتبرت دائماً أهم وثيقة وضعت عن أفكار وثقافات القرون الوسطى..
وهناك إلى جانب هذا العمل الكبير أعمال عديدة تحمل في عنوانها كلمة مرآة . وقد يكون مفيداً أن نذكر في هذا المجال أن الموسيقي الفرنسي موريس رافيل (1875 – 1938م) وضع كلمة مرايا عنواناً لخمس مقطوعات للبيانو ألفها في العام 1905م. وهو فسر العنوان بقوله أنه إنما أراد منه أن يشرد على الطابع الرمزي لعمله هذا، حيث يقدم العالم بوصفه تمثيلاً لحياة الفنان، الداخلية، والمشهد، ككل كانعكاس لأسلوبه في الوجود، وأخيراً الشيء المموش بوصفه صورة منعكسة على مرآة حساسية الفنان الذاتية. والعنوان نفسه اختاره الفنان السوري ياسر العظمة لسلسلة حلقات تلفزيونية ساخرة عرفت شهرة عربية واسعة.

مرآة الفن ومرآة الحقيقة
فما الذي يمكننا أن نستخلصه من هذا كله؟
ببساطة أن نرسيس حقق، في النهاية وعلى مدى آلاف السنين انتصاره، حتى وإن كان المسكين قد مات حزناً لأنه لم يعثر أبداً على صاحب الوجه الجميل الذي شاهده منعكساً ذات يوم حين انحنى فوق صفحة بركة ماء ليشرب، فأتاه الوجه من داخل الماء ليشغله بقية حياته. فهل معنى انتصار نرسيس، أننا نحن بدورنا انتصرنا، وعثرنا على ذاتنا وفرديتنا، في ذلك المكان (الوحيد؟!) الذي يمكن فيه أن تظهر صورة الذات؟
ليس الأمر مؤكداً، طالما أن الأدب (والفن)، إذا كان قد احتفل دائماً بالإنسان مكتشفاً صورته عبر المرآة، فإنه لم يفته أبداً أن يصور كم كان ذلك الاكتشاف مرعباً. من ناحية لأن الرغبة في العبور إلى الجانب الآخر من المرآة لم تحقق إلا كغاية وفي الخيال، وثانياً لأن الإنسان بقدر ما راح يحدّق في المرآة يوماً بعد يوم ويطرح عليها أسئلته وضروب قلقه وخوفه، بقدر ما كان يحصل منها على إجابات تزيد من حدة القلق والخوف.

وحتى دوريان غراي، لم ينته به الأمر إلا وقد خسر رهان مرآته (لوحته).. فإذا كانت هذه قد شاخت بدلاً منه، ليبقى هو شاباً، اندفعت ذات يوم لاستعادة شبابها، مرجعة إليه السنين التي كان هرب منها، مغرقة إياه في شيخوخة لم تنته إلا بالموت.

وإذا كانت سيلفيا بلايت قد حدثتنا في قصيدتها عن الصورة الشابة التي تبقى، من مرور العجوز، منطبعة عليها، فإن الحقيقة تبدو أشد قسوة: الحقيقة هي أن المرآة لم تتمكن أبداً من الاحتفاظ بأية صورة.. إلا في الفن.. أي في الخيال، الملجأ الوحيد من الفناء، من الموت ومما ينتظرنا بعدهما.

ومن هنا كانت مرآة الفن دائماً، أكثر حرية وجمالاً من مرآة الحقيقة.

المرآة في الشعر العربي

يروي جلال الدين الرومي في كتابه المتنوي أن أحد ملوك الصين القدماء أراد أن يقيم مباراة في النقش والتصوير بين مهندسي فارس واليونان وفنانيهما. وقد دعا لأجل ذلك نخبة المبدعين من البلدين وبنى قاعة طويلة وواسعة ثم جعل كلاً من الطرفين في جانب وأمرهم أن يشرعا في العمل فاصلاً بينهما بستائر سميكة بحيث لا يرى أحدهما ما يفعل الآخر. وفي حين استنفر مهندسو اليونان كل مواهبهم لصنع أروع الزخارف والنقوش اكتفى مهندسو فارس بصناعة مرايا عظية ثبتوها على جدران المنطقة المخصصة لهم وعمدوا إلى تلميعها وصقلها لتصبح في منتهى الصفاء والشفافية. حتى إذا أمر الملك بأن ترفع الستائر بين الفريقين بدت نقوش اليونان في مرايا فارس أكثر روعة وجمالاً مما هي عليه في الأصل، وحكم الملك لفارس على اليونان في نهاية المباراة.
قد تكون هذه الحكاية التي رواها جلال الدين الرومي هي المدخل الحقيقي للتطلع إلى المرآة لا من حيث كونها تعكس الموجودات الظاهرة فحسب، بل من حيث قدرتها على الإضافة والإدهاش والتفاعل مع الظواهر التي تعكسها. فقد ألهبت المرايا مخيلات الفلاسفة والفنانين والشعراء فرآها بعضهم رمزاً للنفس البشرية التي يمكن لها أن تخشن وتصدأ وتعجز بالتالي عن رؤية جمالات العالم ووجوهه الخيِّرة والنبيلة. ويمكن لها بالمقابل أن تشف إلى الحد الذي يجعلها قادرة على استكناه روح الأشياء وسبر أغوارها العميقة، كما هو الحال مع الشعراء والمبدعين. وكما عند جلال الدين كذلك عند فريد الدين العطار، تتخذ المرآة بعداً صوفياً إشرافياً حين تكتشف جماعة الطيور الباحثة عن الطائر الذي يقودها إلى الحقيقة أن السيمرغ ليس سوى انعكاس صورتها في مرآة الحق وأنهم جميعاً تجليات لجوهر واحد.
في الشعر القديم
لم تغب صور المرآة بالمقابل عن الشعر العربي قديمه وحديثه. ولكن هذه الصور تتفاوت كثيراً تبعاً لرؤية الشاعر وعمق تجربته وللزاوية التي ينظر من خلالها. ففي حين يكتفي امرؤ القيس بالبعد الحسي الظاهري للمرآة حين يشبه صدر حبيبته بالسجنجل، أي المرآة، يقيم ابن الرومي العباسي تناظراً أكثر عمقاً وشمولية بين المرآة وبين نفسه التي تعرف بدورها كيف تميز بين الوجوه وكيف تعامل كل شخص بما يستحق. أما أبو عبادة البحتري فقد رأى في المرآة حقيقة المصير المأساوي للإنسان الذي يؤول سريعاً إلى الشيخوخة والزوال. وتمنى لو أنه لم يصقل مرآته بما يكفي لكي يحول الصدأ بينه وبين اكتشاف الحقيقة.

ويقدم ابن المعتز بالمقابل صورتين متغايرتين عن المرآة إحداهما تعكس براعته الوصفية حين يشبه بركة المتوكل بمرآة الجارية المصقولة ويشبه الخليج بمقبض لها، والأخرى تشبّه الذكريات بالمرآة المتحوّلة التي تستعيد لحظات الحياة المفقودة.

ثمة شعراء آخرون ربطو بين المرآة والنرجسية المرضية كما فعل شاعر مغمور اسمه حمد ياسين حيث النرجسي يرى العالم بأسره مرايا لشخصه. وكذلك الأمر مع ابن تميم الأسمروي الذي يتحدث عن شخص ما طلب معشوقاً جميلاً لم يجده فآثر أن يعشق نفسه ويحيطها بالمرايا من كل جانب. وفي العصور المتأخرة يتماهى منجك الدمشقي مع وجه حبيبته الذي يتحول إلى مرآة خالصة يتزاوج فيها وجها العاشق والمعشوق. وإذ يرى أحمد البربير، على طريقة أبي العلاء، أن النفس البشرية هي المرآة الحقيقية التي تكشف أسرار السماوات والأرض يرى خليل مطران في الغروب وزوال النهار مرآة لغروبه الشخصي.

.. وفي المعاصر
احتفظت المرآة بمكانتها في الشعر العربي الحديث متخذة مع أدونيس دلالات وأبعاداً رمزية بالغة الكثافة والتنوع، سواء في ديوانه المسرح والمرايا أو في دواوينه الأخرى. والمرآة عند أدونيس ليست مجرد ناقل ببغائي للعالم بل هي طريقة في النظر إلى الأشياء والوقائع. لذلك فهو قد اتخذ من المرآة ذريعة لتفسير الظواهر وإعادة تسميتها كما في نصيه مرآة للقرن العشرين و مرآة السياف .

أما صلاح عبد الصبور فيرى وجهه في المرآة مجدوع الأنف ويعبر بسخرية طافحة بالمرارة عن مأزق الإنسان المعاصر بين سندان السلطة ومطرقة الاستلاب. والأمر نفسه يعبر عنه الشاعر اليمني عبدالله البردوني حيث المرايا لا تعكس سوى غربة الإنسان وانفصامه. وإذ ينشطر علي جعفر العلاق بين عطر الروح وضوء الجسد يرى بين المرأة والمرآة ما يتجاوز الجناس البديعي وينسحب على وجوه أكثر حيرة والتباساً. أما الفلسطيني محمد القيسي والعراقي هاشم شفيق فيريان في المرآة صورة المنافي التي تجمعهما معاً وتجعلهما نهباً للبرد والوساوس والغربة القاسية.

المرآة في الشعر القديم
• المرأة والمرآة:
مهفهفة بيضاء غير مفاضةٍ
ترائبها مصقولة كالسجنجل
امرؤ القيس

• المرآة المجلوَّة:
جلوت مرآتي فياليتني
تركتُها لم أَجْلُ عنها الصدا
كي لا أرى فيها البياض الذي
في الرأس، في العارضِ مني بدا
شبتُ فما أنفكُّ من حسرةٍ
والشيب في الرأس سول الروى
البحتري

• البركة المرآة:
كأنَّ البركةَ الغنَّاء لما
غدت بالماء مفعمةً تموجُ
وقد لاح الدجى، مرآةُ فَيْنٍ
قد انصقلت ومقبضها الخليج
ابن المعتز

• مرآة الشاعر:
أنا كالمرآةِ ألقى
كلَّ. وجهٍ بمثالهْ
ابن الرومي

• مرآة المغرور:
كأنما العالم مرآتُهُ
فما يرى فيها سوى شخصهِ
ابن حمديس

• مرآة عاشق نفسه:
وأهيف ظلَّ بالمرآةِ مغرىً
يواظب رؤية الوجه المليحِ
يقول: طبتُ معشوقاً جميلاً
فلما لم أجده عشقتُ روحيَ
ابن تميم الأسمردي

• مرآة الوجه:
لما صفتْ مرآةُ وجهِكِ أيقنتْ
عينايَ أني عدتُ فيكِ خيالا
وظننتُ أهدابي بوجهكِ عارضاً
وحسبتُ إنساني بخدِّك خالا
منجك الدمشقي

وفي الشعر الحديث
• مرآة النفسي:
تأمَّلْ نجدْ فيك الوجود بأسرِه
ونبِّه عيون القلبِ من سَنَةِ الغمضِ
فنفسكَ مرآةٌ إذا ما جَلَوْتَها
رأيت بها ما في السماوات والأرضِ
أحمد البربير

• مرآة الزوال:
وكأنني آنست يومي زائلا
فرأيت في المرآة كيف مسائي
خليل مطران

• مرآة للقرن العشرين:
تابوتٌ يلبس وجه الطفل
كتابٌ يُكتب في أحشاء غرابْ
وحشٌ يتقدَّم، يحمل زهره
صخره
تتنفس في رئتيْ مجنونْ
هوذا القرن العشرونْ
أدونيس

• مرآة الوجه:
قلتم لي: لا تدس أنفك في ما يعني جاركْ
لكني أسألكمْ أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوعُ الأنفْ
صلاح عبد الصبور

• مرآة الهوية المنفصمة:
من أنا؟ أسأل شخصاً داخلي
هل أنا أنت؟ ومن أنت؟ وما اسمي؟
داخلي يسقط في خارجهِ
غربتي أكبر من صوتي وهجمي
مَنْ هنا، أسأله، من ذا هنا؟
غير ثوبٍ فيه ما أدعوه جسمي
عبد الله البردوني

• مرآة المنفى:
ماذا تفعل في كتَّان الطرقات هنا؟
أطويه وأطويه
ولا شيء سوى أني أكبر في السن
أنزل سهواً مرآة المقهى
ويعنُّ على روحي ما بات يَعِنْ
ماذا تفعل في مرآة المقهى؟
أتأمل ألوان الطيف قليلاً
فإذا الأشياء تئن ..
محمد القيسي

المرآة في ظلام المسارح

تعتبر المرايا عدوة المسرح إذا نظرنا إليها من وجهة نظر مصممي الديكور المسرحي، وذلك لأن عمل المرآة يتطلب أولاً إنارة الهدف، وهذا يعني في عالم المسرح إنارة الجمهور، وثانياً لأن المرآة تعكس الضوء، واستعمالها في الديكور سيؤدي إلى انعكاس الضوء على المشاهدين مما يشوش عليهم متابعة المشهد المسرحي.

ومع ذلك، فإن المرآة حاضرة أينما كان في ظلام المسارح، بدءاً من نشوء فن المسرح وصولاً إلى الإبداع الحديث في فن العرض المسرحي مروراً بكونها رفيقة لا يستغني عنها الممثل في الكواليس.

في تاريخ المسرح
فصندوق الفرجة أو صندوق الدنيا الذي كان يتابع من خلاله المشاهد صوراً جميلة متتابعة وهو يستمع إلى حكواتي يعلق عليها، كان يعتمد على تقنية مجهولة المبتكر، وهي تقنية الضوء والمرآة العاكسة التي راجت عالمياً لردح طويل من الزمن قبل أن تنكسف لصالح أجهزة فن العرض السينمائي.

وحتى تاريخ اختراع المصابيح الكهربائية، كانت العروض المسرحية تقدم في الهواء الطلق وخلال النهار. ولكن اختراع المصابيح المركزة للضوء في اتجاه واحد (Projector) بواسطة المرايا، يمكِّن العروض المسرحية من الانتقال إلى الصالات المقفلة. وصار هناك البروجكتور المنفلش الضوء أو ذو الضوء المحصور، أو متعدد الدرجات، وكل ذلك بحسب درجة تقعر أو تكور المرآة داخله، التي تعكس ضوء المصباح وتحدد تركزه حسب كل حاجة على حدة.

في كواليسه
والمرآة هي رفيقة الممثل، وآخر ما ينظر إليه في الكواليس قبل الخروج إلى الخشبة. والمرايا في كواليس المسرح محاطة بإنارة توازي في قوتها وسطوعها إنارة خشبة المسرح، يستطيع الممثل أن يرى نفسه فيها بعد إتمام عملية التخضيب (الماكياج) وارتدائه اللباس الخاص بدوره. وبناءً على ذلك تضع المسارح بين أيدي مستخدميها كتيباً يحتوي على معلومات عن مواصفاتها وما تستطيع أن تقدمه لهم لا تغفل فيه ذكر المرايا وعددها في الكواليس. فعلى سبيل المثال، يورد المسرح الملكي في إنجلترا مواصفات غرف الممثلين، وفيها أن غرفة المجموعة أو الكورس (11 شخصاً) تحتوي على 15 مرآة. وكل غرفة من غرف الممثلين تحتوي على ثلاث مرايا، أي ما يسمح للممثل برؤية نفسه من مختلف الزوايا.

المرايا والإخراج المسرحي
نادراً ما لجأ مصممو السينوغرافيا المسرحية لاستخدام المرايا في ديكوراتهم، وذلك عائد لما ذكرناه. لكن وفي بعض الحالات يطلب المخرجون، ولإظهار فكرة ما، أن تستخدم المرايا في مشهد ما، وبالتالي على مصمم الديكور إيجاد الحلول المناسبة، كما في مسرحية ألسنة تتكلم التي قدمت في أحد مسارح نيويورك (2001م) واستمدت قوتها، بحسب الناقد أندرو بوفيل من كون مصمم السينوغرافيا ريتشارد هوفر قد اختار المرايا لعكس صورة الجمهور طوال مدّة العرض، وكأنه يقول هذا أنتم . كما استخدمها المخرج اللبناني يعقوب الشدراوي في مسرحية جبران والقاعدة (1983م) لإظهار مناخين في وقت واحد. فداخل غرفة جدرانها من ورق المرايا العاكسة، مضاءة فقط من الداخل، تدور أحداث تمثل الحقيقة الداخلية للشخصيات، بينما حين ينار خارجها، تنعكس صورة الجمهور على الجدران ويبدأ الدجل الاجتماعي.

المرايا ومسرح لاترنا ماجيكا التشيكي
وتعتمد عروض مسرح لاترنا ماجيكا ، التشيكي على استخدام وسائل تقنية متعددة لإخراج العرض المسرحي. وترتكز الرؤية المشهدية على استخدام الأنوار وآلات العرض السينمائية والمرايا العاكسة التي ترتب بشكل يجعل المشاهد وكأنه في عالم خيالي يختلط فيه أمامه، الممثلون بالأطياف التي تبثها آلات العرض أو المرايا العاكسة، فبالكاد يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو طيف خيال.
برز شكل العرض هذا سنة 1959م، خلال المعرض العالمي لفن العرض في مدينة بروكسل ، البلجيكية، وذلك في الجناح التشيكي تحت اسم لاترنا ماجيكا أي الفانوس السحري. كان العرض من تصميم جوزف سفوبودا وإخراج ألفرد رادوك ، اللذين عادا إلى براغ بعد نجاح العرض ليؤسسا مسرح لاترنا ماجيكا في العاصمة التشيكية. ولا يزال هذا المسرح يعمل حتى الآن بالتقنيات المبهرة ذاتها، ولا يزال بعضها سرّاً خاصّاً بتقنيي هذا المسرح.

المرآة في المنزل
المرآة في المنزل

هي أساس من أسس الديكور المنزلي، تدعم الإحساس بالأناقة والإشراق، وطالما تطلّب اختيار المكان الملائم لها عناية ودِراية. وخير ما يدل على ذلك الفلسفة الصينية المعروفة بـ فينج شوي ، التي ترى أن استخدام المرآة في المنزل يطرد الطاقة السلبية من المكان!
يمكن اختيار حائط يواجه أحد المشاهد الطبيعية الجميلة، لوضع المرايا بحيث تعكس هذا المنظر ويصبح أحد القِيم الجمالية في البيت، وربما استخدمت في المطبخ أو في غرفة الطعام لتعكس صورة مماثلة للأطباق وأصناف الطعام الشهية.
قد تستخدم المرآة في تحويل حجرة غير متوازنة في مقاييسها ونِسَب مساحتها إلى حجرة متناسقة تماماً، وتَخلق وَهماً باتساع المكان مما يمنع الشعور بالضيق لدى الأشخاص الذين يعانون اكتئاباً من الأماكن الضيقة. كما أن وَضعها في مدخل المنزل يُضفي اتساعاً عليه وانشراحاً، ومن الناس من يحبّذ وضع مرآة على سطح طاولة في وسط القاعة بحيث تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة، فتوفّر مصدراً للإنارة غير المباشرة.
ويستحسن، عند وجود نافذتين متجاورتين على الحائط نفسه، وضع مرآة طويلة في المساحة التي تتوسطه فتصبح هي بؤرة جذب الانتباه عن شكل النافذتين المتجاورتين غير المستحبّ. كما أن استخدام المرايا يبث حيوية في الجدران الصامتة، فتبدو أكثر حيوية وأناقة.

إطار المرآة
جمال الإطار من جمال المرآة، وأحياناً كثيرة تكون روعتهُ آسرة للعين فنقول: ما أجمل تلك المرآة ، ولا يكون فيها جمال سوى إطارها.
بدأت فكرة تأطير المرآة في القرن السابع عشر، وسرعان ما اكتشفت أهمية الإطارات في إضفاء مسحة تجميلية في تزيين الغرف. فأصبحنا نجد المرايا ذات الإطارات العاجية أو الفضية، أو الخشبية من الأبنوس، وأحياناً كانت تطعم بالأصداف أو المعادن.. وإلى جانب ذلك، راجت الإطارات المطرّزة أو المزيّنة بالخرز الملوّن.
ومع ازدياد الوعي لأهمية جمال الإطار، بدأ الحرفيون يعتنون عناية فائقة في حفر إطارات المرايا ونقشها وزُخرفتها كي تأتي منسجمة مع طراز الأثاث المنزلي، حتى أصبح من أولويات التزيين المنزلي وجود مرآة جدارية معلّقة. وكانت إطاراتها تُصنع من الزجاج المحفور. ثمّ لجأ بعض كبار مهندسي البناء إلى تصميم وحدات للتدفئة تمتّد من الموقد حتى السقف معتمدين، لإبراز مهارتهم الفنيّة، على استخدام المرايا ذات الإطارات الباهرة.. لذلك أصبحت المرايا من العناصر التي تعكِسُ الذوق العام السائد في أي عصر من العصور، ولم يكن هناك أي عائق يقف في وجه تغيير أسلوب زخرفة الإطارات ونقشها تماشياً مع الطراز السائد، خاصة أنَّ استبدال أُطر المرايا بأطر أخرى كان أكثر سهولة وأقل تكلفة من تغيير المرآة نفسها.
وفي القرن الثامن عشر شاع الرسم والنقش على المرايا. وظهرت الأطر المزينة بنقوش خاصة بالأزهار، أو بزخارف كلاسيكية. وبدأ، في فرنسا، إنتاج المرايا المستديرة الشكل التي كانت غالباً ما تُحاط بأُطُر خشبية مذهّبة سرعان ما لاقت رواجاً وانتشاراً واسعاً.

العلم والعلماء والمرآة
مع النهضة العلمية والصناعية التي انطلقت بقوة بدءاً من القرن الثامن عشر، لم تعد المرايا تستعمل للتبرج والديكور المنزلي فقط، بل دخلت في صميم التطور العلمي والابتكارات التقنية.
فالتلسكوبات التي ترصد حركة الكواكب والنجوم مجهزة بمرايا كبيرة تعكس المرئيات البعيدة وفق الزوايا المتساوية. وتزداد قدرات التلسكوبات على الرصد كلما كبرت مراياها.
وتستخدم المرايا أيضاً لتقوية الضوء المنبعث من المصابيح الكهربائية في السيارات كما في المنارات البحرية. وهي من الأدوات الأساسية التي لا غنى عنها في الآليات المتنقلة، لتوضيح الرؤيا الجانبية والخلفية. وفي الأفران الشمسية تستخدم المرايا لتجميع أشعة الشمس وانتاج الطاقة.
وفي عيادة طبيب الأسنان، تسمح المرآة الصغيرة التي لا يزيد حجمها على قطعة نقدية معدنية، برؤية الأسنان العلوية التي لا يستطيع الطبيب رؤيتها بسهولة، فتؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها المرآة أو المرايا في المخازن الكبرى والأماكن العامة التي تسمح للمشرفين عليها برؤية ما يجري في الزوايا المختلفة من تلك الأماكن.

قصص المرايا في الصين

إضافة إلى أنَّ الصينيين يعتبرونها رمزاً للنور، فإن للمرآة في تاريخ الصين قصصاً وحوادث شيقة كثيرة.

حَكَمَ البلاد بالمرآة!
فقد كان الوزير وي تشنغ ، المعروف بشخصيته النزيهة وثقافته الواسعة، يُسدي النصائح القيّمة إلى الأمبراطور لي شين مين . ولما توفى وي تشنغ ، أصاب الأمبراطور غم كبير. فموت الوزير كان خسارة كبيرة للدولة. وللتعبير عن حزنه لفقدان وزيره، قال الأمبراطور لأعوانه: أمام المرآة أستطيع أن أرتّب وأهندس لباسي، ووفاة وي تشنغ وفاة لمرآتي الغالية .

والمقصود أنّ وي تشنغ كان بمثابة المرآة التي يرى فيها الأمبراطور أخطاءه فيصوّبها، وعيوبه فيُعدِّلها.

المرآة عادت مجبورةً
وفي القرن السادس الميلادي تعرّضت مملكة تشن لفوضى كبيرة إثر احتلال جيش أسرة سوي المملكة، وفرَّ السكان مذعورين، وكان في القصر زوجان عاشقان، الأميرة الجميلة لهتشانغ وزوجها شيوي ده يان . فاضطرا إلى الانفصال، لكنهما شَقّا المرآة البرونزية، وأخذ كلّ منهما نصف المرآة، واتفقا على أن يبيع كلّ منهما نصف مرآته في السوق يوم عيد الفوانيس أملاً في اللقاء. وأُسرت الأميرة وأرسلت إلى القائد الأعلى وأصبحت زوجة ثانية له.

وفي عيد الفوانيس السنة التالية، وصل شيوي ده يان إلى السوق ومعه نصف المرآة، ولكنّه لم يلقَ الأميرة، فأصابه الكدر والهم. غير أنّه لمح نصف المرآة في يد خادم في السوق. وأخبر الخادم شيوي ده يان ما حلَّ بالأميرة، فاغرورقت عيناه بالدموع، وكتب أبياتاً من الشعر على نصف مرآة الأميرة وأرسلها لها مع الخادم. وهكذا علمت الأميرة أن زوجها ما زال على قيد الحياة. ولما عرف القائد بقصتهما تأثّر بمشاعر الحب العميق بين هذين الزوجين وأرسل الأميرة إلى بيت شيوي ده بان . وهذه الحكاية هي أصل القول الصيني: المرآة عادت مجبورة .

تعليق مرآة صافية عالياً
وقديماً كان الصينيون يعلّقون في قاعات الحكم في ولايات الدولة لافتة مكتوب عليها: مرآةٌ صافيةٌ معلقةٌ عالياً . وذلك رغبة في حثّ الموظف العام على أن يكون نزيهاً نظيف اليد واللسان. ويحكى أنَّ الأمبراطور تشين علَّقَ فعلاً مرآةً كان، حسب اعتقاده، يرى فيها قلوب الناس فيميّز الخيّر من الشرير. وكان الموظفون الحكوميون يعتقدون في وجود مرآة تشين هذه، فيُدققون في أعمالهم وأقوالهم.
وكان لأحد الموظفين في أسرة سونغ ، في القرن العاشر الميلادي، مرآة برونزية قديمة، قيل أنه كان يستطيع رؤية مئة كيلومتر عبرها. وقد أراد الموظف أن يقدّم المرآة العجيبة إلى الوزير الأعلى طمعاً في توثيق العلاقة بينهما. غير أن الوزير رفض العرض غير الشريف بذكاء قائلاً: ليست بي حاجة للمرآة التي تستطيع أن ترى عبرها مئة كيلومتر، لأن وجهي صغير! .

نقلا عن مجلة القافلة


هُم ونحن..إيروتيك وكراهية

سافر الرحّالة الغربيون إلى الشرق بحثا عن السعادة الجنسية المطلقة وكنا قد ذهبنا الى بلادهم لذات الغرض ولم نصرّح بذلك انسجاما مع ثقافتنا السرية الخجولة، لذا لم يظهر بين رحّالتنا من يكتب رسائل فاضحة على غرار "فلوبير" الذي يباهي بعلاقاته مع بنات الهوى، وطبعا لنا ان نستثني من كتابات رحالتنا بعض الاشارات الجنسية الفاضحة في مشاهدات ابن فضلان او نزهات الادريسي وهي صريحة أحيانا وملغوزة في معظم الصفحات .

من القاهرة كتب فلوبيرالى بويليه يتفاخر بأنه نام مع ثلاث نساء في يوم واحد وقضى وطره أربع مرات وحاول اغواء السمسارة التي كانت تحضر له بنات الهوى لكنها رفضته نظرا لأنه لم يهتم بها منذ البداية . والكلام الرخيص من هذا النوع كثير عنده وعند غيره فالشرق لم يكن اكثر من منجم – للايروتيكا - الفجة التي تجدها بغزارة عنده وعند لورنس وعند السير ريتشارد بيرتون ودوما تنتزع المشاهد من طنجة والقاهرة وتونس واستانبول حيث يختلط الشبق التركي بالعربي وتولد منه تلك النصوص التي تبدو غريبة وغير مفهومة عند سكان البلاد الاصليين لأن مخيّلة الرحالة الغربيين كانت تضيف اليها الكثير من الفانتازيا، فالحمّام التركي سواء في الاستانة او الجزائر او تونس او القاهرة صار مسرحا لتوليد الصور التي كان يطرب لها الغربيون اكثر من غيرها. وهكذا صار على الراوي ان يخلط ويزيد ويحكي عما تخيله بلغة انه لمسه وشاهده والا كسد سوقه بين من ينقل لهم تلك الايروتيكا المكثفة التي ما تزال لها أسواقها .
وقد كفانا الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو مؤنة نقد قومه حين قام هو بتلك المهمة المحرجة بشجاعة فائقة وكتب عن دور الشبقية في صناعة الصورة داخل الخطاب الاستشراقي وفاته ان يضيف الى الشبقية الكراهية التاريخية. فأغلب الذين زارونا لم يستطيعوا التخلص من إرث الحروب الدينية في القرون الوسطى وكان معظمهم يتابعون الحروب الصليبية بطريقة اخرى هي التبشير، فثلاثة أرباع الرحّالة الغربيين في الشرق والعالم العربي بجناحه الغربي جاؤوا عن طريق جمعيلت تبشيرية هدفها تنصير الشرق بالكلمة بعد ان فشلت الاسلحة في تحقيق ذلك الهدف .
ولا يمكن ان ننكر وجود فئة قليلة كان لها أهدافها السياسية فوليم بلجريف – مثلا –لا يخفي أنه جاء لتحريك مياه الشرق الراكدة وكانت رحلته يسوعية ايضا وبتشجيع وتمويل من نابليون الثالث الذي تورط في الشرق والعالم العربي اكثر من نابليون الاول واضاف الى القابه امبراطور الجزائر .
بلجريف هذا الذي زار وسط الجزيرة العربية وشرقها في صيف وخريف عام 1862 تجد عنده الحقد المصفى على القوم الذين عاش بينهم فالبدو عنده يظهرون اسوأ مما هم عليه الف مرة ومن شدة ذكائه فهو لا يشتمهم مباشرة في الغالب لكنه يوكل تلك المهمة الى العرب أنفسهم ففي كتابه الضخم (وسط الجزيرة العربية وشرقها ) يعطي هذه المهمة لشيخ قبيلة، قال له –على ذمته -:
( المعتمد على البدو كالذي يبني له بيتا على سطح الماء فهم لا وزن لهم في المعارك الحربية الخطيرة بسبب افتقارهم الى الاسلحة والتجهيزات والنظام العسكري علاوة على ضعفهم في المعارك المشتركة لانهم منقسمون الى فرق وطوائف شتى بسبب صراعاتهم الصبيانية المستموة التي لا تسمح لهم بالتوحد حول أي هدف من الاهداف الحقيقفية اكثر من شهر واحد. فالبدو لا يهمهم الماضي ولا المستقبل لانهم مخلوقات اللحظة فحسب وليس عند هؤلاء أي مبدأ ديني او وطني فكل واحد منهم منعزل ومتفرغ لمصالحة الذاتية الخاصة فالجميع ضد الجميع ومحاباة.. البدو الحقيقية لمن يدفع اكثر فهم لا يخدمون الا من لا يزال طعامه في بطونهم وليس ذلك من قبيل الاخلاص للمستأجر بل حبا في السلب والنهب والغنائم )
اما لماذا البدوي هكذا فالتفسير يأتي هذه المرة على لسان بلجريف نفسه:
(البدوي سلاب ونهّاب ومسرف في آن واحد فهو يتوق الى الحصول على كل ما يرى ويشاهد دون ان يعرف قيمته كما انه على استعداد ليتخلى بسرعة عما حصل عليه والسبب هو عجز البدوي عن تقييم او تقدير الشئ، فالعطاء والشحاذة والنهب والسلب كلها امور مترابطة في ذهنه وتنتج اصلا عن جهل البدوي المطلق بقيمة الملكية واهميتها )
وقبل ان نفرز الغث عن السمين في هذه الاحكام المتطايرة لابد ان نلاحظ ان اوصاف بلجريف للبدو على لسانه ولسان غيره تنطبق تماما على وصف سكان المدن المغاربة والجزائريين فكأنها خارجة من اشخاص درسوا المفردات والصفات نفسها في ذات الكلية .
ان افريقيا بكاملها عند – الاركون – أرض البشاعة والقذارة والكسل وحتى عرق الناس فيها من نوع خاص كريه لا يشبه عرق الاخرين والمغرب عند علي بيك وهو مستشرق اسباني متنكر اسمه الاصلي – دومينغو باديا – بلاد البطالة واللهو و والجنس فالناس في الساحات العامة والمقاهي غارقون في كسلهم وغبائهم يقضون اليوم في التسكع ولافائدة ترجى منهم في الحروب لانهم كبدو بلجريف دون اسلحة ولا تدريب ولا تنظيم من أي نوع كان والخلاصة ان كل ما حوله كان لا يوحي له بغير الانحطاط والفوضى .
وقد اقترنت الكراهية المبطنة بالشبقية عند هذا الرحالة الاسباني الذي تنكر في زي حاج مسلم وجميعهم يتنكرون فبلجريف الانجليزي تنكر في ثياب طبيب سوري والفنلندي جورج والن لبس الثياب المصرية واطلق على نفسه اسم عبد الولي وهو قريب من حيث النطق مع اسمه الاصلي المهم ان – دومينغو باديا - الذي زعم انه لم ينغمس بالغرائز وجد الوقت لينعي على المسلمين تحررهم الاخلاقي فمناخ القسطنطينية الجزائرية يشجع على الاباحية والفجور ومسارح خيال الظل التركية في المدن العربية مليئة بالمشاهد الشبقية وحب المغاربة للجواري السوداوات يثير انزعاجه فاؤلئك الجواري يتبرجن اكثر مما يلزم لايقاظ الغرائز ومع انه ظل اقل فضائحية من فلوبير، الا ان عقد كبته تظهر كعقد كبت الرحالة العرب في العديد من المواقف لا يستثنى من ذلك غير ابن بطوطة الذي كان يحل مشاكله الجنسية بالمبالغة في الزواج حتى انه تزوج حين عمل كقاض في المالديف اكثر من خمسين مرة الامر الذي دفع اهل تلك الجزيرة النائية الى الثورة على قاضيهم الذي اوشك ان يدمغ نصف نساء الجزيرة شرعا .
ان فيلسوف الشبق الحقيقي بين الرحالة الغربيين هو السير ريتشارد بيرتون الذي اعطى لنفسه اسم الحاج ميرزا عبد الله وترك في كتابيه – جولات في افريقيا الشرقية – ورواية شخصية لرحلة حج الى المدينة ومكة - مجموعة من النصوص النادرة عن مشاهداته وهو في طريقه الى تلك البلاد في القاهرة والصومال وزنجبار وكان قبل هذه المشاهدات العيانية الفاضحة قد ترجم معظم الادبيات الايروتيكية الشرقية وقضى فترة من الوقت في الهند لدراسة كتاب – الكاموسوترا- وبذا صار حجة في الايروتيكا لكن المشكلة معه ان زوجته الورعة ايزابيل احرقت بعد موته الكثير من اوراقه، فضاعت نظرة رجل موضوعي أهم انجازاته أنه اصيب بمرض الزهري و نقل موضوع الختان ومحبة الغلمان الى قلب الثقافة الاوربية. وبعيدا عن الشبقية والكراهية فان ميزة بيرتون الاساسية كانت كميزة لورنس وهي حب مناخ الصحراء، يعني لا مانع من وجهة نظر هؤلاء ان تحب المكان وتكره اهله فرغم كل هجائيات العرب والبدو نجد عند هذا الكاتب نصا بديعا عن حب الصحراء العربية
يقول بيرتون:(عجيب انبساط النفس لمشهد لا يتمتع للوهلة الاولى بجاذبية ان ادنى تحول للون في هذه البلاد يلفت النظر وينعش ملكات المعاينة والتدقيق ومع انك جاف الجلد وريقك يتحرق ظمأ فانت لا تشعر بالخدر ولا باثر الرطوبة فرئتاك تتسعان ويحتد بصرك ويتحمس خيالك وتصبح الروح في غاية البذخ ويوقظ ذلك المناخ البدائي الفاتن الذي يحيط بك كل حيويتك فتصبح اخائيا مضيافا بصدق وليس بدماثة مرائية كاهل المدينة وفي الصحراء لا تحتاج حواسك الى أي منبه فالخمور في الصحراء لا تثير غير الاشمئزاز فالمتعة في الوجود البدائي البسيط حيث الهواء يهزم كتيبة امراض والرمل اكثر نعومة من رياش الوسائد )
ان هذا الصافي الرائق هو نفسه الذي لم يترك بيتا للبغاء في اوروبا والشرق الا طرقه فماذا تفعل الصحراء حتى تملك هذه القدرة العجيبة على غسل الانسان من الداخل .
نحن هنا امام تناقض مفصلي فإما ان تكون الصحراء بهذه القدرة فتجعل اهلها وغيرهم انقياء واصفياء او انها لا تؤثر الا على الزائر العابر، اما أبناؤها فينسون النعمة التي هم فيها وحول التفسير الثاني لاحظ المستشرق الهولندي مؤلف كتاب – البدوي الاخير – وهو من آخر موجة من المستشرقين ان البدو لا ينتبهون لجمال غروب الشمس في الصحراء ونسب ذلك الى اضطرارهم لصلاة المغرب وهذا زعم باطل فالصلاة دقائق معدودات والغروب في الصحراء حالة ممتدة متداعية وقابلة للالتقاط من مختلف الزوايا والاقات .
رحالة الماني اسمه – جوليوس اويتنغ- لم يعرف عنه الاهتمام بالشبقيات خالف من سبقه باظهار الكراهية الفجة للبشر وصب جام غضبه على الابل ليلعن من خلالها اصحابها واهم ما في ابتكاره الذي ظن ان احدا لم يسبقه اليه ان لغة صاحب الناقة تتأثر باصوات ركوبته فهذا الرحالة الذي زار دومة الجندل المعروفة حديثا باسم الجوف نزل عليه وحي المعرفة عند قرية كاف فقال :
(هنا انيرت بصيرتي حول نشأة بعض العرب فمن يقضي وقتا طويلا مع الابل يتأثر بصوتياتها ولا شك ان فئة من العرب استقوا اصواتهم من الابل او قلدوها فحشرجة العين والغين لا يمكن ان تأتي الا عن طريق أصوات الابل )
وهذه حالة سبقه اليها بلجريف بسبعة اعوام وحاول ان يصوغ منها نظرية علمية فالعرب انتقاميون ويحبون الثأر لانهم كجمالهم مجبولون على ذلك وربما تأثروا او اخذوا تلك العادات الكريهة من كثرة اكلهم للحم الجمال فهو وبعد ان ان يحكي عن جمل شاهده في بعلبك يقتل صبيا انتقاما من ضرب الصبي له يقول :
(والواقع ان هذه النزعة الكريهة تبلغ من البروز حدا يجعل بعض الفلاسفة يعزون طبيعة العرب الانتقامية الى الحصة الكبيرة من غذائهم التي يستمدونها من لحم الابل وحليب النياق والتي من المفروض ان تنقل الى اؤلئك الذين يتناولونها بكميات كبيرة الصفات الاخلاقية وغير الاخلاقية للحيوان المأخوذة منه وانا لست مؤهلا لاصدار هذه الاحكام ولكن بوسعي ان اقول ان الجمل وسيده بينهما اوجه شبه كثير واضحة )
ونحن لا نستطيع ان ننكر اننا سبقنا غيرنا في اسباغ هذه الصفات الحيوانية والمقارنات غير المتحضرة على شعوب اخرى كانت اقل منا تحضرا حين كانت لنا حضارة فدوما تقوم الحضارات الغالبة بالتقليل من شأن غيرها كما تفعل اميركا حاليا والغريب ان رائد التصوير الذي يحفر في دهاليز الكراهية دون وعي بخطورتها واحد من المع كتابنا واكثرهم تسامحا وهو الجاحظ الذي قال في كتاب الحيوان عن مجموعة شعوب :
(وقد خبرنا عددا من الناس قد ادركوا رجالا من نبط بيسان ولهم اذناب تكون كاذناب التماسيح والبقر والخيل او كاذناب السلاحف والجرذان وربما رأينا الملاح النبطي على وجهه شبه القرد وربما رأينا الرجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ الا القليل وقد يجوز ان يصادف ذلك الهواء الفاسد والتربة الردية ناسا على صفة هؤلاء ويكونون جهالا فلا يرتحلون ضنانة بمسكنهم واوطانهم ولا ينتقلون فاذا طال عليهم ذلك زاد في تلك الشعور وفي تلك الاذناب وفي تلك الالوان الشقر وفي تلك الصور المناسبة للقرود ).
انها ليست حكاية تربة بل ازمة تربية عنصرية عندنا وعندهم منها الشئ الكثير اما كيف نستخدم وكيف يستخدمون ذلك المخزون في تكريس الصورة النمطية وفي زرع بذور الكراهية فهذا ما يحتاج الى وقفة تأمل طويلة ودراسة نماذج أخرى من تراثنا وتراث الآخرين لنفهم جيدا وبالأدلة كيفية صنع الصورة المكروهة و طريقة عمل وأساليب انتاج مصانع الحقد والكراهية.


محيي الدين اللاذقاني


القفل والمفتاح


حزامة حبايب / اكتُشفت الأقفال والمفاتيح منذ أن اكتَشف الإنسان قيمة «الأداة» في حياته، قاطعاً بفكره الفطري البدائي الخطوة الجوهرية الأولى نحو مفهوم الكائن البشري «المتحضِّر». لقد عرف الإنسان القفل قبل أن يبدأ التاريخ المدوّن، واستقرّت أشكاله الدالة عليه في رسوم الإنسان على الجدران، كمستند توثيقي مهم، قبل أن تُورد في الصحف وسجلات الكتابة. طالما افتتن الإنسان بمفهوم «الخصوصية»، حتى قبل أن يُبلور صيغة هذا المفهوم نظرياً، كما تجذَّرت قيمٌ مثل «الملكية» و«الفردية» و«المادية» -رغم ما يشوب هذه القيم في أحيانٍ كثيرة من مغالاة وإفراط حتى حد التشوّه- في المذهب الإنساني الميَّال إلى الاختلاف والتميّز والتفرّد والاستحواذ. والمفتاح، بوصفه قيمة مادية ومعنوية، إنما هو من علامات تميّزنا، يصون فرديتنا، ويحدّد إطارها ويقفل عليها.

رمز السطوة والنفوذ
لقرون عديدة، كان المفتاح رمزاً للأمن والسلطة والقوة، كما ترسّخ في الأساطير في أيدي أصحاب القدرة، وبه تزداد قدرتهم وتتعزز. فتبنَّى الملوك والأباطرة ورجال الدولة والفرسان والنّبلاء المفتاح رمزاً جلياً في راياتهم وفي شعارات النبالة، التي تعكس هويّتهم وإنجازاتهم ومحتدهم الذي يعتزّون به وفي أختامهم الرسمية. وكان تسليم مفاتيح قلعة أو حصن أو مدينة في الأزمنة الآفلة يُعد حدثاً احتفالياً، ترشّح لنا عبر مصفاة التاريخ من خلال احتفالية «مفتاح المدينة» التي تحتضنها في الوقت الراهن مدن عالمية عدة، وذلك لتكريم شخصيات مشهود لها بعطاءاتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية أو خدماتها... ويقال إن منبع هذه العادة يعود إلى العصور الوسطى، حين كان اللوردات الإقطاعيون يحمون مدنهم بأسوار عالية وبوابات موصدة بإحكام، تفتح في النهار وتُغلق في الليل، فلا تستقبل الغرباء إلا بشهادات وأوراق قانونية، أشبه بتصاريح دخول مختومة. فكان مفتاح المدينة يُقدّم للتجار الذين تربطهم بقاطنيها مصالح متبادلة، أو للشخصيات الاعتبارية وكبار الزوار، كنوع من ائتمانهم على «حرمة» المدينة، والإعراب لهم عن ثقتها بهم ومنحهم حرية دخولها ومغادرتها متى يشاؤون، إذ يُعهد لهم بمفتاح البوابة: رمز أمن المدينة وأمانها! واليوم، العديد من المدن العالمية تقدِّم مفتاحها لشخصيات بارزة، من نجوم الفن والمجتمع، أو لمنظمات ذات نشاط إنساني نبيل، أو حتى لمواطنين «صالحين» (من ذلك حين قدَّمت مدينة نيويورك في العام 2004م مفتاح مدينتها لسائق تاكسي أمين قام بإرجاع حقيبة تحتوي على لآلئ بقيمة عشرات الآلاف من الدولارات)، وذلك كنوع من التكريم الرفيع، علماً بأن المدينة لا تحيطها أسوار أو بوابات بمفاتيح، وبالتالي فإن المفتاح، المصنوع من معدن عادي -قد يطاله الصدأ والبهتان مع الوقت- وبتصميم قد يبدو مُبتذلاً ونقشٍ يحمل اسم المدينة، ليس سوى مفتاح رمزي، لا يفتح باباً ولا حتى علبة سردين! لكن تسليم مفتاح المدينة ليس بالخبر السار دائماً؛ فحتى القرن الثامن عشر، كان المفتاح رمزاً لاستقلالية الأفراد ومنعة المدن، وحين تستسلم مدينة ما لجيش غازٍ فإن هذا يُرمز له من خلال تسليم مفاتيح المدينة للغزاة! ففي لوحة «استسلام بريدا» (1652م) للرسام الإسباني الشهير دييغو فيلاسكيز، المعروضة في متحف برادو في مدريد، يصور الرسَّام حاكم مدينة بريدا الهولندية، جاستن دي ناسو، وهو يسلِّم مفتاح المدينة خاضعاً للجنرال الإسباني أمبروسيو دي سبينولا. أما لوحة «بيوس تابيستري» المطرّزة التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر (وهي قماشة مطرَّزة طولها 70 متراً وعرضها نصف متر، تصوِّر الأحداث التي قادت إلى الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066م وأحداث الغزو نفسه)، فتضم مشهداً لكونان الثاني، دوق بريتاني في فرنسا، يسلِّم مفتاح مدينته مكرهاً لويليام دوق نورماندي، قائد القوات النورماندية، الملقَّب بوليام الغازي، والذي أصبح ملك إنجلترا منذ أواخر العام 1066م وحتى وفاته. وحتى لحظة ما قبل الاستسلام، يبدو كونان متمنِّعاً، إذ يسلِّم المفتاح للغازي على رأس رمحه المدبَّب فيما يتقبَّل وليام استسلامه، مستلماً المفتاح، هو الآخر، على رأس رمحه كأنه يوصل له رسالة: إذا كنت تريد الموت على تسليم المفتاح أستطيع أن أعطيه لك برمحي، وفي جميع الأحوال سآخذ المفتاح! لقد كان المفتاح عنوان السطوة والمكانة والنفوذ. في مصر القديمة، كانت أهمية «رأس البيت» يحدّدها عدد المفاتيح التي يمتلكها؛ حيث كانت ضخمة يحملها العبيد على أكتافهم، سائرين وراء صاحب البيت. وكلما كثُر عبيد ربّ الدار أو حاملو مفاتيحه كلما دلَّ ذلك على درجة ثرائه ومكانته. لكن الحظوة في البيت الاسكندينافي كانت للمرأة. ففي حقبة الفايكنغ، التي امتدّت من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر ميلادية، احتلت المرأة المتزوجة مكانة بارزة في التراتبية الاجتماعية، وكانت المفاتيح رمز هذه المكانة. فعند الزواج، كانت عروس الفايكنغ تُمنح مجموعة من المفاتيح، للدلالة على مكانتها الجديدة، والمسؤوليات التي باتت تتولاها بوصفها ربّة البيت، وكانت المفاتيح البرونزية تتدلّى من ملابسها، أمام العيان، إلى جانب سكين صغيرة أو مقص كي يعرف الجميع -أينما حلّت- أنها متزوجة. ليس هذا فحسب، بل كانت امرأة الفايكنغ تحمل معها مفتاحها حتى إلى قبرها، إذ جرت العادة في ذاك الزمان على أن تُدفن مع قطعة أو أكثر من مقتنياتها، أهمّها المفتاح وإلى جانبه مقصّ أو إبرة خياطة أو قطعة مجوهرات أو أي شيء آخر.

تطوره عبر التاريخ
لعلّ حرص الإنسان على أمنِه وسعيه إلى حماية ملكيّته ووجوده وُلد منذ أن دبّ على الأرض، ويمكننا القول في هذا السياق إنّ أوّل «مفتاح» طوّعته البشرية كان عبارة عن غصن شجرة، وذلك حين كان رجل الكهف -أو «الإنسان الصياد» كما يُلقَّب آركيولوجياً- يستخدمه كعتلة لتحريك الحجر الجلمودي الضخم الذي يحرس فتحة كهفه. ولم يكن الخيال الإنساني يتورّع عن المضي قُدُماً بغية التماس الخصوصية وحماية الغالي والأغلى. في الهند القديمة، كان يتمّ الاحتفاظ بالممتلكات القيّمة لأهل الحكم والمال في حاويات محكمة الإغلاق، ومن ثم تُغمر في البحيرات التي تحيط بالقصور، يحميها «حرس خاص» قوامه مجموعة من التماسيح الشرسة، التي يتمّ إطعامها كميات قليلة من الطعام، بحيث تظل جائعة معظم الوقت، حتى إذا ما تجرأ أحدهم وغاص في البحيرة، التهمه تمساح في لحظات. كانت هذه أمتن الأقفال العصية على النسخ. فلبلوغ الكنوز الدفينة في الماء، كان يتعيّن قتل المفاتيح، أي التماسيح، أو تخديرها! تاريخياً، يمكن تتبّع أول نظام للقفل والمفتاح، بالمفهوم التقليدي الذي شكّل الأساس لتطور نظام الأقفال والمفاتيح الحديث، حتى قبل نحو أربعة آلاف عام. وبحسب الموسوعة الأمريكية والموسوعة العربية الشاملة فإن أقدم قفل في العالم طوَّره المصريون في العام 2000 قبل الميلاد. أما الموسوعة البريطانية، فتشير إلى أن أقدم نظام للقفل هو الذي عُثر عليه في أطلال قصر خور ساباد في مدينة نينوى العراقية ويعود إلى ما قبل نحو أربعة آلاف عام. وبسبب استخدامه على نطاق واسع في مصر في الفترة ذاتها بات يُعرف بالقفل المصري، وهو لقب ظل يشكِّل المرجع لتطوير آلية عمل الأقفال والمفاتيح لقرون طويلة لاحقة. يعرف هذا النوع من الأقفال بقفل الوتد/الريشة، ومنه تطوَّر نظام القفل الحديث واسع الاستخدام في القرن التاسع عشر، حيث لا يزال يشكِّل الأساس النظري لآلية عمل نظام الأقفال عموماً. يتكون القفل المصري أو الآشوري من مزلاج خشبي كبير يؤمِّن الباب، تتخلله عدة ثقوب على سطحه الخارجي. ثمة قطعة مثبتة على الباب تحتوي على العديد من الخوابير الخشبية مصمّمة في وضعية بحيث تنزلق في هذه الثقوب، بفعل الجاذبية الأرضية، وتثبت المزلاج، فتمنعه من التحرك وبالتالي لا يمكن فتح الباب. أما المفتاح فعبارة عن قضيب خشبي كبير، يشبه فرشاة الأسنان، ذي أوتاد بأطوال مختلفة في وضع عمودي تطابق الثقوب والخوابير. عند وضع المفتاح في ثقب المفتاح الكبير تحت الخوابير العمودية، يرتفع ببساطة بحيث يعمل على رفع الخوابير، مُفسحاً المجال للمزلاج والمفتاح في داخله كي ينزلق ثانية. ولقد عُثر على نماذج مشابهة لهذا القفل في حضارات قديمة عدة في شمال أوروبا وفي الهند والصين واليابان. وفي تقنية أكثر بدائية اعتمدها اليونانيون، كان يتم تحريك المزلاج بواسطة مفتاح من الحديد على هيئة منجل بمقبض خشبي. وكان يُمرَّر المفتاح المنجلي الشكل في ثقب في الباب ثم يُدار، بحيث يشتبك رأس المنجل بالمزلاج المثبت داخل الباب ويرفعه أو يسحبه إلى الخلف. على أن هذه التقنية لم توفر أماناً كبيراً. هنا، جاء دور الرومان الذين قطعوا بصناعة الأقفال والمفاتيح خطوات نوعية. فحتى آنذاك، كانت الأقفال تُصنع من الخشب، في حين كانت المفاتيح من الخشب أو البرونز أو الحديد، فكانت المفاتيح المعدنية تعمل على اهتراء الأقفال الخشبية بسرعة. فطوَّر الرومان أول أقفال معدنية قابلة للصمود زمنياً، حيث كانت الأقفال مصنوعة من الحديد الصلب بينما كانت المفاتيح في الغالب من البرونز. ولقد جمع الرومان بين خصائص النموذجين المصري واليوناني في صنع الأقفال، مطورين تقنية أقفال ميكانيكية مبتكرة تم تثبيتها داخل الباب، بحيث تعمل بمفتاح من الخارج عبر ثقب مخصص له. علماً بأن ابتكار ثقب المفتاح التقليدي ينسب إلى اليونانيين، في حين أن الرومان هم الذين حسّنوه وشذّبوه. وصمّم الرومان أقفالاً بخوابير وأوتاد ذات أشكال عدّة مع مفاتيح تناسبها وثقوب مفاتيح غير مألوفة، الأمر الذي قلّل من إمكانية قيام أحدهم بنسخ المفتاح. كما صاغوا الأقفال بنقوش وزخرفات ورسومات تمويهية، فجعلوها على شكل حيوانات وأزهار وطيور. كذلك، نالت المفاتيح نصيبها من الزخرفة، فدلت غزارة النقش وطبيعته وتعقيداته على مكانة صاحبها، بل إن بعض المفاتيح كانت ذات تشكيل جمالي موشَّى بالذهب أو الفضة فجاز معه التباهي بها إذ تدلّتْ من القلائد حول الأعناق وفوق الصدور. ويُنسب للرومان أيضاً أنهم اخترعوا الأقفال المسنّنة، حيث لا يزال المبدأ الذي تقوم عليه معتمداً في أقفال اليوم. كما يشير الاسم، توجد الأسنان أو النتوءات، داخل القفل حيث تمنع المفتاح من الدوران إلا إذا كان وجه المفتاح المسطح، أي لسانه، فيه شقوق صغيرة بطريقة يمكن للنتوءات أن تتخللها؛ فقط المفتاح ذو الشقوق المناسبة يمكن أن يفتح القفل المسنّن. ولما كانت الأسنان تُنحت من أجزاء معدنية صغيرة، فقد كان الرومان أول من صنعوا الأقفال والمفاتيح الصغيرة، بل إن بعض المفاتيح كانت من الصغر بحيث كان بالإمكان ارتداؤها كخواتم، فيما استحال موضة رائجة في الحقب البعيدة. ومن جديد، يستثمر الرومان خبرتهم، التي صقلتها المعرفة، في ابتكار الأقفال المحمولة، وإن كانت مراجع عدة تشير إلى أن الصين هي الموطن الذي شهد ولادة الأقفال المحمولة، أسلاف الأقفال الأسطوانية المحمولة حالياً، في حين عمل الرومان على ترويجها وتوسيع قاعدة استخداماتها. إذ راجت هذه الأقفال تحديداً وسط التجار والرحالة، ممن كانوا يسافرون بالصناديق التي تحمل بضائعهم في طرق التجارة البرية والبحرية، دون أن تردع هذه الأقفال، التي عرفت بـ «أقفال السفر»، قطَّاع الطرقات ولصوص القوافل وقراصنة البحار من السطو على الصناديق!

مجدُ «القفّالين»
من المفارقة القول إن العصور الوسطى في أوروبا، المعروفة تاريخياً بعصر الظلام، أضاءتها الأقفال، وربما الأقفال فقط، التي شهدت أوج تطورها وإبداعيتها. وبلغت حرفة صانعي الأقفال أو «القفّالين» الذرى، فبنوا مجدهم الخاص في صناعة استحالت فناً، بعد أن كانت عِلماً، مع سيادة ذائقة مترفة ومبهرجة. كانت العصور الوسطى بحق ساحة سجال فنّي تبارى فيها القفّالون في استعراض ابتكاراتهم. فقد تحولت الأقفال من الخارج إلى ما يشبه «الكنفا»، مستوعبة من النقوش والرسوم ما أحالها إلى لوحات فنية. على أن تطور شكل القفل خارجياً لم يُضف كثيراً إلى عمل آليته. ومن التحسينات التي شهدتها تلك الحقبة إخفاء ثقب المفتاح في القفل من خلال مصاريع أو أغطية سرية، كما تم تصميم بعض الأقفال بحيث تطلق دبابيس أو سهاماً صغيرة مسمومة أو سكاكين متناهية في الصغر حين كان يتم إدخال مفتاح غريب في القفل، وهو ما خاطب الخيال «القرن أوسطي» المفتون بالخرافة والغموض!
وبدأ بعض القفَّالين المهرة يحققون شهرة عالمية، فكانوا يُدعون لصنع أقفال تحت الطلب لنبلاء أوروبا تضم شعارات النبالة وأشكالاً رمزية، مع اعتماد نقوش تتناسب والبناء المعماري المصمَّم له القفل. وحين شارفت العصور الوسطى على الانتهاء، شهدت صناعة الأقفال المزيد من التفنن، إذ اكتسبت أوروبا بعضاً من عافية حضارية فحفَّزتْ القلاع والقصور والمعابد التي تجلَّت فيها كل أشكال البذخ الهندسي حدّ الصلف والتكلّف أحياناً، من القوطي إلى النهوضي فالباروك، الإبداع الأجمل للقفّالين البارعين. فأثناء النهضة تمت إضافة الرافعة إلى الأقفال المسننة لمزيد من الأمن؛ وإلى جانب مروره من خلال النتوءات الثابتة، بات يتعين على المفتاح رفع شريط -بمثابة رافعة- ليحرك المزلاج في القفل. وبحلول القرن السادس عشر، دُشِّنت في أوروبا ما يعرف بـ«الأقفال التوافقية» أو أقفال بلا مفاتيح، التي استعارت مفهومها وآلية عملها من الصين القديمة. وللقفل التوافقي قرص مدرج تحيط به مجموعة أرقام، ولفتح القفل يتعين تحريك القفل إلى اليمين وإلى اليسار في تتابع أرقام بعينها، حتى إذا ما تطابقت الأرقام مع الشقوق في القرص فُتح القفل. ولقد استُخدمت هذه الأقفال في الخزائن وصناديق المجوهرات.

هواية الملوك
استحوذت فتنة الأقفال على الألباب، وشكّل اقتناؤها غايةً ورجاءً لمن استطاع إلى الجمال والفن وثمنهما سبيلاً. وكانت كاترين الثانية إمبراطورة روسيا القيصرية -التي حكمت البلاد من العام 1762م حتى وفاتها عام 1796م- تملك واحدة من أجمل وأغلى مجموعات الأقفال في عصرها. ولم تخف الإمبراطورة إعجابها بحرفية وفنيّة صانعي الأقفال الذين كانوا يتبارون في ترجمة خيالهم في لوحات آسرة حملتها أسطح الأقفال، مبدعين أقفالاً محمولة ذات أشكال مبتكرة ومثيرة. يُقال إن صانع أقفال روسياً مشهوراً نال حريته بفضل حرفيته! فقد قام بصنع سلسلة من الأقفال والمفاتيح المزخرفة للإمبراطورة التي بلغ انبهارها بمهارته حدّ إصدارها قراراً بالعفو عنه بعدما كان على وشك ترحيله إلى سيبيريا لقضاء عقوبة بالسجن هناك، غالباً ما تنتهي إلى موت محتوم. وكما تقول القصة، فإن هذه الواقعة وراء المثل القائل: «يستلزم الأمر 89 مفتاحاً لفتح قفل سجن»، كناية عن عدد مفاتيح الأقفال التي صممها الحرفي للإمبراطورة كاترين. ولم يكتف النبلاء وسادة الأقوام باقتناء الأقفال والمفاتيح، بل بلغ الشغف بها حد تورط الملك لويس السادس عشر بصنعها! نعم.. فالملك الفرنسي الشاب، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية في العام 1792م، لم ينشغل بأمور الحكم كثيراً، وكانت أحب الأوقات إليه عندما يخلو إلى ورشته في القصر يصنع الأقفال المعدنية، هو الذي تعلَّم الصنعة على يد قفّال فرنسي يدعى غامين. وكان لويس فخوراً على وجه التحديد بخزنة حديد سرية، احتفظ فيها بأوراقه الشخصية ومقتنياته الخاصة جداً، كان يخبّئها في أحد جدران قصره. لكن الثوار -بمساعدة غامين- تمكنوا من معرفة موقع الخزنة. ويا ليت لويس، كما يقول الفرنسيون، «حكم البلاد بمستوى كفاءته في صنع الأقفال»..

على عتبة العصر الحديث
يمكن الزعم بأن أول محاولة جادة لتعزيز مستوى الأمان للقفل وتطوير آليته تحققت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد صانعي الأقفال الإنجليز، أمثال روبرت بارون وجوزيف براماه وجيريمايا تشاب. وقد واصلت صناعة الأقفال ومعها المفاتيح تطورها حيث بلغت أوجها في منتصف القرن الثامن عشر، مع صانع الأقفال الأمريكي لينوس ييل الأب، الذي سعى إلى إدخال تحديثات جوهرية على الأقفال. لكن القفزة النوعية تحققت على يد لينوس ييل الابن، الذي اخترع «قفل الوتد/الريشة» الحديث في العام 1865م، منطلقاً في فكرته من فكرة القفل الآشوري أو المصري القديم؛ وهو قفل ذو مفتاح صغير مسطّح، بحافة مُشرشرة، حيث كان أول قفل يُنتج بكميات كبيرة، كما يُعدّ حالياً الأكثر أماناً والأكثر استخداماً للأبواب في العالم. ومع اتخاذ التقنية منحنىً تصاعدياً في القرن العشرين، وتطور طرائق التصنيع بموازاة استشراء عصر الآلات، شهدت الأقفال والمفاتيح تحسينات مطردة مع إنتاجها بدقة أكبر لجهة آلية عملها وتشذيبها وتعزيز خصائصها الأمنية على نحو قلَّص من احتمالات فتحها عُنوة. وشهد القرن الفائت ظهور العديد من الأقفال والمفاتيح متنوعة التقنيات، متعددة الاستخدامات، لا نهائية المزايا. فتم تطوير الأقفال الإلكترونية، التي تستخدم مفتاحاً لتشغيل دائرة كهربائية، كمفاتيح السيارات والطائرات، وهناك الأقفال الموقوتة، كنوع من الأقفال التوافقية، حيث تستخدم في خزائن المصارف والمؤسسات المالية، وهي ذات مزاليج إغلاق آلية تعمل بجهاز توقيت. وقد يكون من الصعب حصر أنواع المفاتيح والأقفال، التي تعكس كثرتها وبنيتها المعقدة نتيجة لتراكم الخبرة البشرية، هوس الإنسان بمفهوم الأمان، وهوسه الأكبر -بالمقابل- لسلب هذا الأمان. من مفتاح الباب الخشبي الضخم الشبيه بعتلة مدجّجة بالأوتاد إلى مفتاح البيت المعدني الصغير، فمفتاح تشغيل السيارة ومفتاح تشغيل الطائرة، إلى المفتاح الكهربائي، الذي يتحكم في سريان التيار الكهربائي في دائرة كهربائية، كمفتاح تشغيل المصابيح أو تشغيل الأجهزة الكهربائية، فمفتاح التحكم عن بعد ومفتاح «كرت» أو بطاقة بلاستيكية، يا له من بون شاسع بين مفتاح ومفتاح، حافل بالفروقات والتمايزات. بعد أن كان يتطلب الأمر شخصاً ذا بأس -أو عدة أنفار- لحمل المفاتيح، باتت مفاتيح البيت والمكتب والسيارة والريموت كونترول الخاص بفتح السيارة عن بعد، ومفاتيح أخرى تتدلى من سلسلة واحدة، تخشخش بخفة في اليد!

فنّ «سرقة الخزينة» في الشاشة.. لصوص الأقفال
على غرار الممنوع مرغوب، فإن «المقفول» يحفِّز الرغبة ?لفتحه، ويثير الشهية لافتضاض مكنوناته. في ثنيات التاريخ الواقعي والمُتخيَّل، أغوت الأبواب الموصدة اللصوص الذين ?لم يتورّعوا عن استنباط كافة الأساليب لـ «هتك» الأقفال ?وفك شِفرة الخزينة البنكية المعقدة أو حتى تفجيرها، إذا لزم الأمر. البدايةُ بدائية كانت، أو هكذا قدَّمتها بعض الأفلام في السينما العربية؛ فثقب الباب العريض، الذي نتلصّص منه على ما يدور خلف الباب، كان سهل الاقتحام، بصورة كاريكاتورية! إذ كان يكفي أن ندسّ ورقة تحت الباب، ثم بدبوس أو مشبك صغير ندفع المفتاح من الثقب في الجهة المقابلة فيسقط على الورقة، ومن ثم نسحب الورقة من تحت الباب إلينا ليصبح المفتاح بحوزتنا! إذ تضاءل حجم ثقب الباب ولم تعد العين ترى ما خلفه، اعتمد اللصوص تقنية بسيطة في فتح الباب، قوامها نسخ المفتاح، بعد طبعه على لوح من الصابون أو الشمع، وذلك منذ اختراع أول آلة لقص و«خراطة» المفاتيح في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1917م، أو ببساطة شديدة الاستعانة بأداة مدببة، كدبوس أو مبرد مستدق الرأس، للتلاعب بالنوابض أو تحريك المسننات داخل القفل لفتحه دون حاجة لمفتاح، في مشهد متكرر في السينما العالمية. والإثارة تتصاعد، على الأقل في السينما، بعدما شكَّل السطو على الخزائن المصرفية سيناريو متكرراً، مشحوناً بالإثارة التي تعلو معها ضربات القلوب، وهو ما يتوافق وتطور التقنيات الأمنية في صناعة الخزينة، في المصارف والكازينوهات والمتاحف. لعل المشهد الدارج في المخيلة السينمائية قيام أحدهم بالتنصت إلى صوت حركة القفل التوافقي، الذي يعمل بتوليفة رقمية، بالاعتماد على أذنه أو بالاستعانة بسماعة طبية لاقتناص حركة القفل إذ يصيب الرقم الصحيح مكانه المخصص في القرص المدرج، محدثاً صوت طقطقة لا تخطئها الأذن الخبيرة! ومع تطوير تقنية الأقفال التوافقية في الخزائن، لجأ اللصوص إلى خيار يائس عبر تفجير الخزينة، ثم في مرحلة لاحقة من لعبة «القط والفأر» بين اللصوص والقيِّمين على الخزائن، اعتمدت مصارف العالم الكبرى خزائن ذات أبواب مصفحة، مضادة لأقوى أنواع التفجيرات الأمر الذي عنى سعي اللصوص إلى البحث عن وسائل أكثر دهاءً للاحتيال عليها. من أشهر الأفلام العالمية التي صورت عملية الاستيلاء على المصارف أو الخزائن، بطريقة عمدت بعضها إلى «تبجيل» اللصوص، فِلم «غابة الإسفلت» (1950م)، والفِلم الفرنسي «ريفيفي» (1955م)، وسلسلة الأفلام الدنماركية «عصابة أولسن» (1968 - 1998م)، والفِلم الأمريكي «اللص» (1981م)، والجزء الأول من سلسلة أفلام الآكشن الأمريكية «الموت بصعوبة» (1988م)، وفِلم «قتل زو» (1994م)، وفِلم «حرارة» (1995م) وفِلم «الأشقاء نيوتن» (1998م)، و«أوشن 11» (2001م) وعشرات الأفلام التي تظهر حنكة اللص في مواجهة المؤسسة الأمنية! لكن الخيال التصويري يتخطى الواقع بكثير؛ ففي تنافس محموم بين الواقع الأمني والرواية السينمائية، يتحول «الجسد البشري» إلى مفتاح يقهر أكثر أنواع الأقفال غير القابلة للكسر أو التحطيم! في فِلم «المصيدة» (1999م)، تتمكن النجمة كاترين زيتا جونز، مستعينة برشاقة استثنائية، من الاحتيال على قفل قوامه شبكة أمنية متقاطعة من أشعة الليزر، عبر القفز فيما بين الأشعة، حيث تنجح في تجنب أي احتكاك معها قد يؤدي إلى إطلاق دوي صفارات الإنذار، وهو مشهد يتكرر في فِلم «أوشن 12» (2004م)، الجزء الثاني من «أوشن 11»، حين ينجح لص رشيق جداً، يجسِّد دوره النجم الفرنسي فينسنت كاسيل، في تخطِّي شبكة الإنذار الليزيرية، عبر أداء جمبازي بهلواني يصعب تصديقه! كأن بالسينما تعلنها حكمة في نهاية المطاف؛ وهي أن الأمان يصبح في خبر كان!

مفاتيح لا تشبه المفاتيح
إن المفتاح في منشئه هو الأداة التي تحرِّك وتدير وتشغِّل، وهو في المبتدأ الأساس الذي تعمل به الأشياء، لذا فإنه كفكرة يمكن قولبته في أكثر من مصطلح وفي أكثر من هيئة. وبالتالي، لا يتعيَّن أن يكون المفتاح -من حيث الشكل- هو المفتاح التقليدي إياه، بالهيكل المعدني ذي المقبض والطرف المسنّن أو المشرشر! فثمة مفاتيح لا تشبه المفاتيح، تقوم بمهمّة الفتح والتشغيل، أو قد تلعب دور الموجِّه والمحدِّد. فالموسيقى لها مفتاح، وهو مصطلح مجازي، لا أداة، يُستخدم للدلالة على الأساس الذي كتبت به مقطوعة موسيقية بعينها، كأن تُكتب مثلاً بالمفتاح C، وهو ما يعني أن مركز النغم فيها هو المقياس C، حيث يضم المفتاح الموسيقي نغمات المقياس وكل الأوتار التي تصوغ هذه النغمات. في الموسيقى أيضاً، تستخدم كلمة «مفاتيح» للإشارة إلى الأصابع الصغيرة، باللونين الأبيض والأسود، التي تَفتَح وتُغلِق فتحات الصوت الهوائية الموجودة على الآلات الموسيقية، مثل الكلارينيت. وهناك آلات كالبيانو والأرغن لها روافع تُسمّى مفاتيح، حيث يضغط العازف عليها لإخراج الصوت. تُعرف مفاتيح البيانو والأرغن وغيرهما من الآلات الموسيقية بالـ «كيبورد» Keyboard أي «لوحة المفاتيح». ونستخدم لوحة المفاتيح أيضاً في الكمبيوتر، وهي عبارة عن لوحة أو أداة لإدخال البيانات، مصممة على نمط الآلة الطابعة، بترتيب معيَّن من المفاتيح أو الأزرار، تحمل أحرف وأرقاماً ورموزاً، تعمل بمثابة رافعات ميكانيكية أو مفاتيح إلكترونية. ويحمل كل مفتاح على لوحة المفاتيح نقشاً لحرف أو رمز أو رقم، بحيث يتم إدخاله في الكمبيوتر من خلال الضغط عليه، أو الضغط على أكثر من مفتاح في الوقت نفسه. ولا يصح أن نغفل «مفتاحاً» توضيحياً حيوياً في الخرائط والرسوم البيانية يُطلق عليه «مفتاح الخريطة»، وهو عبارة عن مقياس يضم قائمة من الكلمات والتعبيرات والألوان، عادة ما يوجد في إطار صغير داخل الخريطة، بحيث يشرح معنى الرموز والإشارات الموجودة في الخريطة.

قلبي ومفتاحه
إن القلوبَ مستودعُ الأسرار ومُحتضنُ الهمس ومأوى العواطف الشجيّة. وقد لا يكون من الحكمة أن نفتح باب القلب لكل من هب ودبّ. علينا أن نوصد على نبض الفؤاد، نضنّ بفرحه كما نُغلق على حزنه، فلا نأتمن غير الحبيب على مفتاحه، ألم يُغنِّ فريد الأطرش: «قلبي ومفتاحه، دول ملك إيديك، ومساه وصباحه، يسألني عليك»؟ وثمة طقس عالمي لما يعرف بـ «أقفال المحبة»، كعادة مستحدثة ضمن بدع عالمية «شعبوية» -لا تنفع كما لا تضر- يقوم فيها الأحبة الشغوفون بتثبيت أقفال على سياج أو عمود أو جدار في سلسلة معدنية، كرمز للحبّ الأبدي، بحيث تُحفر أسماء الأحبّة أو الأحرف الأولى منها على القفل، ثم يُرمى المفتاح بعيداً، ويا حبذا في قاع نهر أو بحر لضمان ألا يستعيده أحد. بذلك، يُقفل على الحب إلى الأبد، ولا يتسنَّى لكائن من يكون أن يفتح القفل الموصد على القلوب. لا توجد مرجعية أكيدة لجهة أصل هذه البدعة، أو للجغرافيا الأم التي ولدتها قبل أن تستشري في جغرافيات متعددة، وإن كان يُعتقد على نطاق عريض أن هذا التقليد وُلد في الصين، حيث يُمكن لمح أقفال المحبة، من مختلف الأحجام والأشكال بنقوش وكتابات منمنمة، مثبتة في مواقع عدة على طول سور الصين العظيم، متراصّة بالآلاف في صفوف لا تنتهي من السلاسل الحديدية المتشابكة. وعادةً ما تشكِّل أبراج المراقبة الموزّعة في نقاط استراتيجية بعينها في سور الصين مواقع منتخبة لعقد الزيجات، حيث يتبادل العروسان نذور الزواج، أمام الأقرباء والأصدقاء، بينما يعلّقان قفلاً محكم الإغلاق في سلسلة الأقفال، ثم يقذفان المفتاح بعيداً على أمل أن يبقى حبهما ويعمّر، كما عمّر سور بلدهما الأعظم. ولقد انتشر تقليد أقفال الحب وراج في أماكن عدة في مختلف أنحاء العالم مثل مدن روما وفلورنسا وتورين في إيطاليا ومدينة بيكس في هنغاريا وريغا في لاتفيا، ومونتيفيديو في الأرغواي، وسيئول في كوريا الجنوبية وطوكيو في اليابان، وكولون بألمانيا، وكييف في أوكرانيا، وإشبيلية في إسبانيا، واستوكهولم في السويد وموسكو في روسيا وغيرها. الطريف أن تقليد أقفال المحبة، وإن كان يوحي بطقس موروث عتيق وخرافة غابرة، يُعد مستحدثاً جداً؛ ففي هنغاريا ذاعت هذه الأقفال في ثمانينيات القرن الماضي، أما في إيطاليا، فإن عمرها لا يزيد على سنوات أربع، في تمثيل عجيب للواقع إذ يُحاكي الأدب والفن. ذلك أن البدعة اختلقتها بنات أفكار الكاتب الإيطالي فيدريكو موتشيا في روايته الرومانسية «أريدك»، التي نشرت في العام 2006م والتي تحوَّلت إلى فِلم سينمائي في العام 2007م لقي نجاحاً شعبياً. فبحسب وقائع الحكاية/الفِلم، يحاول شاب أن يظفر بقلب فتاة، زاعماً أن هناك تقليداً يقوم فيه الحبيبان بموجبه بتثبيت قفل في سلسلة حول عمود إنارة على جسر بونتي ميليفيو القديم في روما، ثم يلقيان بمفتاح القفل في نهر التيبر ليظل قفلهما بمنأى عن أن يفتحه أحد، وبالتالي يظل الحب قائماً وصامداً إلى الأبد. ولقد عمل الفِلم على تأجيج حمى أقفال الحب لتصيب القاصي والداني، ابن البلد والسائح الوافد إلى مدينة الرومانسية، يتدفقون على الجسر بالعشرات يومياً، معلقِّين أقفالاً تحمل نقوش أسمائهم ورسومات لقلوبهم في سلاسل مثبتة حول أعمدة الجسر، حتى لم يعد ثمة عمود بلا سلاسل وأقفال، وقد فاض النهر بالمفاتيح وغصت بها الأسماك المسكينة التي تدفع ثمن تهور مجانين الحب، الأمر الذي دفع مسؤولو المدينة (حماية للجسر وأعمدته التاريخية من أن يلحقها تشوه أو ضرر وليس دفاعاً عن الحب) إلى نصب أعمدة من الفولاذ مخصصة رسمياً لأقفال الحب. وسرعان ما امتدت سلاسل الأقفال إلى مدن إيطالية أخرى.

متحف الأقفال
يظل لأقفال الأمس ومفاتيحها وهجها وصدى خشخشة المعدن البارد عبر التاريخ، فيثير ذكريات ينتفض معها عصب الروح. لهذه الذكريات مساحة حية في متاحف عالمية مختصة، لعل أشهرها متحف الأقفال في سيئول في كوريا الجنوبية، الذي يضم تشكيلة غنية من الأقفال وميداليات المفاتيح ومزاليج البوابات وسقّاطات الأبواب.
وتحظى الأقفال والمفاتيح بأهمية خاصة في كوريا، فالأقفال ليست مصمّمة لتكون أداة أمنية فقط، وإنما تنطوي على سمات جمالية بحيث يمكن استخدامها كزينة داخلية أو تحفة فنية. ومن خلال الجمع بين أشكال وأنماط رمزية، تحوّلت الأقفال إلى مظهر حيوي من مظاهر الثقافة الكورية عبر الأزمان. وغالباً ما شملت التصاميم المستخدمة في تزيين الأقفال وزخرفتها على موتيفات نباتية وحيوانية للتعبير عن آمال صاحبها وأمنياته للمستقبل. وإلى جانب الأقفال، يؤوي المتحف تشكيلة بالغة التنوع من ميداليات وعلاّقات المفاتيح، كإكسسوارات شخصية غنية بالنقوش، حيث تورثها الأمهات الكوريات لبناتهن لتذكيرهن بواجباتهن إزاء تدبير شؤون بيوتهن وأسرهن. وفي العديد من المناطق الكورية، كان إهداء حديثي الزواج ميداليات مفاتيح تتدلَّى منها قطع نقدية تذكارية هدية أثيرة، وكانت هذه الميداليات تُستخدم لتزيين الجدران أو الأثاث في بيت العروسين، لعلّها تكون مفتاحاً للسعادة والعَمار المديد الذي يسم أيامهما. وهناك أيضاً متحف أمريكا للأقفال الكائن في بلدة تيريفيل بولاية كونيكتيكت الأمريكية، حيث يضم ثماني قاعات عرض، تحتضن كل أنواع الأقفال والمفاتيح التي تغطي حقباً تاريخية عدة، من بينها قاعة مخصصة لأقفال خزائن البنوك وقاعة لـ «أقفال ييل»، التي صنعتها شركة ييل (نسبة إلى لينوس ييل الأب والابن) في الفترة الممتدة من 1860 وحتى 1950م، من بينها نموذج الاختراع الأصلي لـ «قفل الوتد/الريشة» الذي ابتكره لينوس ييل (الابن) عام 1865م، الذي يُعد أعظم اختراع في تاريخ صنع الأقفال.

في الحكايات والأدب
منذ الأزل، دخل المفتاح في التجربة البشرية من بوابة الواقع كما بوابة الخيال والحكايات، في معانٍ عديدة كشفت الرغبة الإنسانية المتحرّقة أبداً إلى كشف المستور وفضّ المغاليق، والوقوع على الغريب والغامض والآسر والمستجدّ والمثير والخطير. وطالما شكّلت المفاتيح مادة محفِّزة للخيال في التراث الحكائي العالمي، تفتح الصناديق الملغزة والحجرات السرية، وتفضّ الأحاجي المعقّدة، فتتكشَّف عن سرّ عظيم وقدر مبيّت يرتقي إلى درجة السحر أحياناً.
إن المفتاح هو الفتح والكشف، هو الجلاء والتبدي للعيان، هو الإقليد والإغْليق، وهو المغلاق ونقيض الإغلاق، هو مادي جداً كما أنه رمزي ودلالي. أو ليس «الصبر مفتاح الفرج»؟ هو رمز الانتقال من فضاء إلى فضاء، من عالم إلى آخر، ومن قناعة إلى أخرى. قد يقودنا إلى أفق طلق حر كما قد يوصد علينا زنازين الأسر؛ قد يُدخلنا حجرة مضاءة بالأمل، وقد يدفعنا إلى حجرة معتمة غارقة في ظلمات الوحشة؛ قد يفتح لنا صندوق عِلمٍ مغلق ومعرفة مبهمة، كما قد يشرع لنا صندوق «باندورا» المليء بالشرور! وباندورا في الأسطورة الإغريقية، هي المرأة التي أعطاها زيوس، ملك الملوك وحاكم جبل أوليمبوس، جرة كبيرة وأمرها بألا تفتحها مهما كانت المغريات، لكن فضول باندورا تخطى أوامر زيوس، وفي النهاية لم تستطع مقاومة غواية الأسرار المستكينة في الجرة، فما إن فتحتها حتى خرجت منها كل الشرور والأمراض والبلايا والرزايا التي لم يعرفها الإنسان. على أن الأساطير اليونانية بما تحمله من رمزية لم تشأ أن تكون النهاية مأساوية تماماً، ذلك أنه في قاع الجرّة كمن الأمل، الأمل بأن يتخطّى الإنسان ما يصيبه من بلوى وبلاء، وبالتالي قد لا يكون فتح الجرة/الصندوق بالأمر السيئ بالمطلق. قد لا يكون المفتاح الحكائي مفتاحاً بالمفهوم التقليدي، فـ «افتح يا سمسم» ليس مفتاحاً مصنوعاً من معدن وإنما مصبوبٌ من «كلمات»! في قصة «علي بابا والأربعين حرامي»، إحدى قصص «ألف ليلة وليلة» التي افتتن بها العالم، فإن مفتاح مغارة الكنز هي «افتح يا سمسم»، إنها الكلمات المفتاح الذي يقع عليه علي بابا البغدادي فتقوده إلى الكنز الذي يحتفظ به اللصوص في مغارتهم. يا له من مفتاح سحري، يوشك أن يقود علي بابا إلى التهلكة إذ اكتشف اللصوص أمره. لكن من جديد، نحتاج إلى امرأة مثل مرجانة، زوجة علي بابا، التي تكون «مفتاح» نجاة زوجها، فتنقذه من عاقبة وشاية جار حسود به! ونساء «ألف ليلة وليلة» قادرات، يتخطين الإغلاق حتى وإن أُقفل عليهن بسبعة أقفال. لعلنا نتذكر قصة العروس، التي يشهدها الملك شهريار في مستهل كتاب الحكايات، والتي اختطفها عفريت ليلة عرسها، ثم وضعها في علبة وجعل العلبة داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعة أقفال وجعلها في قاع البحر «العجاج المتلاطم بالأمواج». ومع ذلك، فإن العروس البهية استطاعت في غفلة من الجني أن تفعل الأفاعيل، في حكمة خَلُصتْ إليها حكايا الليالي وهي أن «المرأة منّا إذا أرادت أمراً لم يغلبها شيء»، كما جاء على لسان العروس حبيسة الصندوق. في الخيال الحكائي العالمي، نستعين بقصّة «القلعة التي وقفتْ على أعمدة ذهبية» للدلالة على قيمة المفتاح في صورته غير التقليدية؛ ففي الحكاية التي تندرج في الفولكلور السويدي تقوم قطة بتحويل نفسها إلى رغيف خبز في ثقب مفتاح قلعة عملاق، لتمنع العملاق من دخول قلعته. «افتحي الباب!» صرخ العملاق غاضباً، لكن القطة ظلت تقصّ له مغامراتها الكثيرة إلى أن طلعت الشمس وانهار العملاق. إذ تقطع حكايا المفاتيح قروناً من التداول البشري، فإن المغزى لا يغيب عن الأدب الراهن، المفتون بالأحاجي والألغاز، تماماً كما هو مفتون بالبحث عن «المفتاح» الذي يفضّ مغاليق الأسرار، ويقود إلى الكشف النهائي، أياً كانت عواقب هذا الكشف. قد يكون المفتاح بمثابة «الشفرة» التي تفك أحجية معقدة، كما هو الحال في رواية «شفرة دافنشي» (2003م) ذائعة الصيت للكاتب الأمريكي الشهير دان براون أو روايته الأحدث «الرمز المفقود»، التي نالت حظها من الترويج حتى قبل أن تصدر في سبتمبر (أيلول) الماضي تحت عنوان «مفتاح سليمان»، كعنوان تقصدّت الدعاية الإعلامية من ورائه وعْد القراء المنتظرين برواية ملغزة، تتخطى الإثارة التي توافرت في «شفرة دافنشي». ولا يبدو غريباً أن يقترن المفتاح بالقصص والروايات البوليسية، من ذلك روايتي «سبعة مفاتيح لبالدبيت» (1913م)، و»حارس المفاتيح» (1932م) للروائي والمسرحي الأمريكي إيرل دير بيغرز، علماً بأن «سبعة مفاتيح لبالدبيت» نُقلت إلى الشاشة الفضية في تسع نسخ سينمائية على الأقل، سبعة منها بالعنوان نفسه! كما اقترن المفتاح بالفانتازيا الروائية من خلال رواية «المفتاح» للكاتبة الأسترالية ماريان كيرلي ضمن ثلاثيتها الروائية المعروفة «حراس الزمن». على أنه من بين الروايات العالمية التي تناولت المفتاح كـ «تيمة» أدبية تتوسّم بوْحاً واستراقاً للمشاعر رواية «المفتاح» (1956م) للكاتب الياباني جونيشيرو تانيزاكي، حيث يكون مفتاح الدرج الذي يؤوي يوميات يدونها زوج محبط -يفترض أنها سرية- كشفاً للحياة، والأهم كشفاً للذات.

مفتاح الكعبة

يستأثر مفتاح الكعبة باهتمام فريد من نوعه في العالم الإسلامي. يوجد المفتاح «الرسمي» بيد سدنة بيت الله في مكة المكرمة، والسدنة هم المسؤولون عن شؤون الكعبة وكل ما يتعلق بها من فتحها وإغلاقها وتنظيفها وغسلها وكسوتها وإصلاح الكسوة واستقبال زوار البيت، حيث يتولى أمر المفتاح وشؤون السدانة آل الشيبي في السعودية، الذين ينتهي نسبهم إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وقد نقشت على المفتاح، المصنوع من النحاس والمطعم بالفضة، آيات من القرآن الكريم. ويعتقد، كما تفيد بعض السجلات، أن هناك 59 نسخة من مفاتيح الكعبة، 54 منها في متحف قصر توباكابي في أسطنبول بتركيا، واثنان ضمن مجموعة شخصية، ونسخة في متخف اللوفر بباريس وآخر في متحف الفنون الإسلامية في القاهرة.

«افتح يا سمسم» من البلاستيك
إذا كان مفتاح «ييل» قد أحدث ثورةً في صناعة المفاتيح، فإن المفتاح البلاستيكي المصمّم على هيئة بطاقة أو كرت من البلاستيك جاء بمثابة «افتح يا سمسم» عصرية، سحرية، تنشق على أثرها أعتى الأبواب و»المغارات» الموصدة. بالإنجليزية، يُشار إلى هذا المفتاح بـ «Keycard»، وهو ليس مفتاحاً بالمفهوم المتعارف عليه، وإنما عبارة عن بطاقة تشبه بطاقة الهوية، مسطحة، مستطيلة الشكل، تخزن معلومات رقمية تستخدم مع الأقفال الإلكترونية. ولقد بلغ من شيوع هذه البطاقة أن معظم فنادق العالم اليوم باتت تستخدمها في فتح غرف الضيوف. ولم يعد ثمة قلق من أن يقوم الضيف بالمغادرة دون أن يرجع المفتاح البلاستيكي؛ ذلك أنه بعملية كمبيوترية سهلة بالإمكان تغيير صيغة المعادلة الرقمية في القفل الإلكتروني للباب، واستخراج بطاقة بلاستيكية جديدة له في لحظات! وهناك العديد من أنواع البطاقات البلاستيكية التي تعمل كمفاتيح، من بينها البطاقة الآلية المثقبة، والبطاقة الممغنطة، أي المزوَّدة بشريط مغناطيسي، و«البطاقة الذكية» المزوَّدة برقاقة إلكترونية لقراءة وكتابة البيانات، حيث تعمل هذه البطاقات إما من خلال إدخالها في قفل خاص بها وسحبها في حركة سريعة، أو تعريضها لمجس أو مسبار لقراءة البيانات المدونة فيها والتعرف إلى صاحبها. وكان العالِم النرويجي المولد تور سورنيس أول من دشّن قفل البطاقة البلاستكية، تحت اسم «فينغ كارد» VingCard، مستخدماً في فتحه بطاقة بلاستيكية تعمل آلياً فيها 32 ثقباً. كان ذلك في العام 1975م، حيث لا تزال فنادق العالم تعتمد هذه البطاقة. ولقد أعطت الثقوب الـ 32 في المفتاح/البطاقة 4.2 مليار توليفة أو تركيبة مختلفة، وهو ما كان يساوي تعداد سكان العالم على كوكب الأرض في ذلك الوقت، الأمر الذي وفَّر لكل نزيل في الفندق بطاقته البلاستيكية الفريدة التي تتألف من 32 ثقباً بترتيب معين لكل منها. ولا يزال هذا النوع من المفاتيح البلاستيكية هو المعتمد في معظم فنادق العالم. وفي العامين 1992 – 1993م، ابتكر سورنيس القفل الإلكتروني الذي يعمل بالبطاقة البلاستيكية ذات الشريط الممغنط، التي تحمل بيانات «مشفرة». ويمكن تغيير بيانات البطاقة عبر تعديل ترتيب الجزئيات في الشريط المغناطيسي الخاص بها. وتلقى هذه البطاقة رواجاً عالمياً، من خلال استخدامها كهوية، تتيح لصاحبها دخول مؤسسة أو مرفق ما، كما تُستخدم في أجهزة الصراف الآلي، وفي تذاكر المواصلات في وسائط النقل العام في أجزاء عدة من العالم، كقطارات الأنفاق في بريطانيا.

مفاتيح وطن

لا يوجد مفتاح يثير شجناً ويستحثّ حنيناً كمفتاح البيت في فلسطين ما قبل نكبة عام 1948م، بالنسبة لمئات الآلاف من الفلسطينيين ممّن غادروا قراهم وبلداتهم كلاجئين. فقد ترك الفلسطيني وراءه البيت والأرض والوطن، وحمل معه مفتاح الدار، يعلقه حِرزاً على حوائط غربته القسرية أو يخبّئه في صندوق مقتنياته، مع أوراق «الطابو» الصفراء التي تؤكد ملكيّته لأرض نُهبت منه. وكلما رأى المفتاح، لمح فيه صورة وطن ينتظر عودة أبنائه، وبيوتاً لم تُسقَ كرومها وزيتوناتها منذ زمن. قد لا يورث أبناءه مالاً أو عقاراً، لكنه يأتمنهم على المفتاح؛ فالمفتاح توْقٌ مورَّث وباقٍ عبر الأجيال. لقد زخر الأدب الفلسطيني، بكل أشكاله، بالمفتاح كرمز، وتم استغلال دلالاته سردياً ونثرياً وشعرياً في إرساء «قماشة» تعبيرية تستقرئ الشرط الفلسطيني في الشتات، ذلك أن المفتاح يُلخّص الوطن المحتَضَن في تضاعيف الذاكرة ويختصر الأمل بالعودة. من أبرز الأدباء الفلسطينيين الذين تعاملوا مع المفتاح، كتيمة قابلة لأن يتماهى فيها الوجود الفلسطيني بالغ الخصوصية أو «الذاتية»، المبدع الراحل غسان كنفاني. في لوحة «الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس» (1967م) المشهدية ضمن مجموعته القصصية «عن الرجال والبنادق»، يستعيد الراوي مفتاح بيت أبيه في القرية، قبل أن يتركها ليدرس في القدس، وكيف أن المفتاح -كما يتذكره- كان يشبه الفأس، وهو تشبيه ينطوي على مغزى خاص، ثم إن المفتاح، الذي لم يغادر حزام أبيه، كان «المفتاح» بـ «ال» التعريف التي لازمته ما أحالته من شيء إلى فكرة حية في أكثر من وجه وأكثر من معنى، بل كان مجرد ذكره ولفظه يشيع إحساساً بالدفء. لم يكن مجرد مفتاح، بل كان هو المفتاح الذي يعرفه الجميع، كائناً علماً، غير قابل للضياع: «فهو المفتاح الوحيد الذي لم يستطع الزمن أن يضيعه، لقد كان كل رجل في القرية، كل طفل، كل امرأة، يعرفون أن هذا المفتاح هو مفتاح دار جابر، بل كان ثمة أناس في القرى المجاورة يعرفون ذلك أيضاً، فإذا ما ضاع أو سقط يعود إلى الدار كأنما من تلقاء نفسه». راح البيت وظل المفتاح، تركه له أبوه الذي دافع عن الأرض ببسالة في مواجهة الاحتلال الصهيوني. لقد مر عشرون أياراً، أي منذ النكبة، وظل المفتاح معلقاً كلوحة في بيته في جغرافيا اللجوء، مثبتاً عرضياً بمسمارين. ظل الكاتب -الذي لم يعد طفلاً- حريصاً على أن يُلحق «ال» التعريف الدافئة بالمفتاح، مع أن مفتاحه لم يعد يذكره بفأس. لكن ابنه الصغير، ينتبه ذات يوم إلى أن المفتاح يشبه فأس، بعدما سقط أحد المسمارين اللذين يثبتانه على الحائط، ليتدلى جسد المفتاح طولياً، مستعيداً تاريخه البعيد، حين كان فأساً مهاباً ومعروفاً، في صدقة ليست صدفة، كأنه يستبشر بوعد قريب.

مفاتيح القدس
للقدس مكانةٌ غالية في القلب والتاريخ، ومفاتيح المدينة هي الأغلى ذلك أن من يملكها يملك المدينة، وقد تكون واقعة تسليم مفاتيح مدينة القدس للخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هي الأشهر في التاريخ، كونها أرستْ ما قد يكون أول ميثاق تفاهم دولي من نوعه تحت ما عرف بـ «العهدة العمرية» يحكم شروط العلاقة بين الأمم والأديان. وكان المسلمون قد تمكنوا من فتح العديد من أجزاء بلاد الشام إثر معركة اليرموك عام 636 ميلادية، ودانت لهم مدن ودويلات، إلى أن بلغوا بيت المقدس في فلسطين، حيث خيّر أبو عبيدة بن الجراح، الذي كان يقود جيش المسلمين، أهل إيلياء، أي القدس، بين إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فرضوا بالجزية، حيث اشترط بطريرك القدس صفرونيوس أن يسلِّم مفاتيح بيت المقدس إلى الخليفة بنفسه، فأتى عمر، رضي الله عنه، إلى القدس مسافراً يرافقه خادمه ومعهما ناقة واحدة، يركبها كل من الخليفة والخادم بالتناوب. حين بلغ عمر مشارف المدينة، صعد صفرونيوس وبطارقته إلى أسوار القدس وأبصروا الرجليْن القادميْن، دون أن يميزوا أيهما الخليفة وأيهما خادمه، إذ كان عمر، رضي الله عنه، يمسك بزمام الناقة ويخوض في الماء والوحل، فأدرك البطارقة حينئذ أن مدينتهم ستكون آمنة، ففتحوا أبواب القدس وسلَّموا مفاتيحها للخليفة الذي أبرم معهم «العهدة العمرية» التي منح بموجبها الأمان لأهل القدس؛ لأنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم وما تمثله لهم. تجدر الإشارة إلى أن مسيحيي القدس يأتمنون حتى اليوم المسلمين على مفاتيح كنيسة القيامة، قبلة المسيحيين في مشارق الأرض ومغاربها، إذ تتولى عائلتان فلسطينيتان مسلمتان، هما عائلة نسيبة وعائلة جودة، حمل هذه المفاتيح، في تقليد متوارث منذ مئات السنين، حيث يقوم أبناء العائلتين بفتح الكنيسة وإغلاقها وحراستها وصيانتها. وتذكر بعض المراجع التاريخية أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أعطى مفتاح الكنيسة لعبدالله بن نسيبة المازنية، وهي عائلة عربية خزرجية من المدينة المنورة، بعدما تسلمه من البطريرك صفرنيوس، وذلك عام 638م، إضافة إلى مفاتيح القدس. وثمة مراجع أخرى تفيد بأن صلاح الدين الأيوبي عهد بمفتاح كنيسة القيامة إلى عائلة نسيبة حين دخلها محرراً عام 1187م، وذلك حين لاحظ وجود خلافات بين الطوائف المسيحية في المدينة حول شؤون الكنيسة، فارتأى أن يقوم المسلمون بدور توفيقي بينهم. ثم تقاسمت عائلة جودة مع عائلة نسيبة مهمة حمل المفتاح إبان الحكم العثماني.

المصدر: مجلة القافلة

الموت و معتقداته الشعبية في بلاد الشام.. الجذور والديمومة


الموت , ظاهرة , مقرونة بالحياة , بانتفائها ينتفي ، أو لعلنا أمام تواطؤ بينهما فمقابل اخضرار الحياة يلمع سيف الموت الأسود، ليحصد ما زاد عن حاجة الحياة و خصبها ، وأحيانا ما لم يزد عن حاجة الحياة تأملَ أرسطو الموت فقال : " الموت أكثر الأشياء فظاعة "2 . أما أسخيلوس فقد أشاد بالموت " كشفاء من بؤس الحياة "3 ، في حين وقف الفيلسوف زينون الرواقي متصالحاً مع الموت بقوله :" إن الموت ينتمي إلى النظام الكوني للأشياء فهو موافق للطبيعة و بالتالي فإنه قانون عادل , و لا أساس للشكوى منه أو الاحتجاج ضده "4 .
إذن هو التسليم بشرعة الموت طالما أنه قدر محتوم ، و لا يبقى على الإنسان سوى وعي الموت و ظواهره و حتميته , كي يفوز بحياة هي طقس للعبور نحو عالم يكتنفه الغموض و طلاسم المجهول .
و لعل الانشغال بظاهرة الموت , اقتضى مرور ملايين السنين من الوجود البشري على الأرض ، حتى غدا دماغ الإنسان قادراً على وعيّ هذه الظاهرة و استنباط الحلول التعويضية اللا شعورية تجاهها 5 .
فإذا كان أقدم وجود بشري دلّتْ عليه اللقى الآثارية يعود إلى 3,5 مليون سنة في أفريقيا , فإن الوجود البشري في المشرق العربي / الهلال الخصيب / حسب المعطيات الآثارية يعود إلى حوالي مليون سنة ، و ذلك في موقع " ست مرخو" في اللاذقية بسوريا , حيث أبان الموقع عن أدوات خلّفها الإنسان هي عبارة عن فؤوس و معاول و سواطير و شظايا و نوى و قواطع استخدمها الإنسان آنذاك لغاية حياة الصيد و التقاط بذور النبات .6
البنية الدماغية للإنسان و وعي ظاهرة الموت :
ليس الإنسان الحالي من سلالة القرود , إنه من سلالة الرئيسيات التي عاصرت سلالات أخرى لم تتطور إلى الحالة الإنسانية ، فبقيت على حالتها مورفولوجياً و فيزيولوجياً .
أما لجهة سلالتنا من الرئيسيات فقد تطورَ إدراكها مع الزمن / تبعاً لتفاعلها مع البيئة الطبيعية و مجالها الحيوي / ، و لعل قوة التفاعل تلك هي التي قدّمتْ حوافز التطور الدماغي لدى إنسان المشرق العربي منذ مليون سنة خلت و حتى الآن .7
فالمعلوم أن البنية الدماغية لدى الإنسان تتألف من ثلاثة أقسام :
- القشرة الدماغية : التي تشكل 85 % من دماغ الإنسان و تتجلى وظيفتها الأولى في الإدراك .
و تتألف من أربعة فصوص هي : الفص الجبهي - الجداري - الصدغي - القذالي .
- القسم الحوفي أو الطرفي : يعتبر مركز عواطف التدين و الفرح و الغيرية و العاطفة الإنسانية بما فيها ظاهرة الموت .
- القسم الزواحفي .8
و في مناقشتنا هنا لوعي ظاهرة الموت في العقل الإنساني فإن ما يهمنا هو التطور المُتبدي في القسم الطرفي من الدماغ , حيث تشير المعطيات العلمية إلى أن وعي هذه الظاهرة استغرق زمناً طويلاً امتد لملايين السنين حتى غدا الإنسان واعياً لها و لمقتضياتها .
و في المشرق العربي استغرق هذا الأمر مرور حوالي 900 ألف سنة حتى بدأ الدماغ الإنساني يعي هذه الظاهرة
فقبل 100 ألف سنة تقريباً و حسب المعطيات الآثارية يبدو أن الإنسان المشرقي لم يعد ليترك أمواته نهباً للوحوش أو ضحايا للتفسخ و التعفن , بل سعى إلى دفنهم وفق شعائر معينة , دلّ على ذلك اكتشاف موقع مغارة الديدرية قرب مدينة حلب في شمال سوريا , حيث عثر على حوالي 70 قطعة عظمية بشرية دُفنت في هذه المغارة و لم تترك في البرية أو السهول .
و في التسعينيات من القرن العشرين عُثر على هيكل عظمي لطفل عمره سنتان و طوله 82 سم , حيث دُفن في حفرة مستلقياً على ظهره و كانت يداه ممدودتان و قدماه مثنيتان , و تحت رأسه بلاطة حجرية و كذلك على صدره فوق القلب . يؤرخ هذا الطفل بحدود 100 ألف سنة . كما عثر عام 1997 على هيكل عظمي آخر لطفل ثان عمره سنتان أيضاً .
إن طرق الدفن المتبعة في هذا الموقع تدل على ظهور وعي لدى الإنسان آنذاك لضرورة العناية بالموتى وفق شعائر و طقوس معينة .
ثم سوف تكرّ سبّحة الاكتشافات الأثرية ، حيث نشهد طقوس دفن متقدمة في فلسطين في مغارة قفزة ، حيث عُثر على 12 هيكلاً عظمياً تؤرخ بحدود 50 ألف سنة، و يتميز هذا الموقع بالعثور على قبر امرأة شابة مستلقية على جنبها الأيسر و مثنية الرجلين، و إلى جانبها طفلها الواضع رأسه على صدرها، في حين كان بين يديه غزال يعطي دلالة على رمزية الخصب و الحياة .9
و في الرافدين عثر في موقع كهف شانيدار على هيكل عظمي لرجل في الأربعين من عمره .يؤرخ في حدود 60 ألف سنة .
و نتيجة البحث العلمي تبين أنه كان يعاني منذ طفولته من شلل نصفي بالإضافة إلى أنه أعور، و يعاني من التهاب في المفاصل ، و يبدو أنه توفي في شهر حزيران .
و الطريف في الأمر هنا أن الذي سبّب موته هو سقوط صخرة من سقف الكهف عليه ، و تبين أن الورود نُثرت حول جثته .10
إن الدلائل التي قدمتها لنا المعطيات الآثارية لهذه المواقع , تشير إلى أننا أمام حالة شعائرية و طقسية تم عبرها دفن الموت وسط تطور متبدٍ في البنية الدماغية التي انعكست على إنسان تلك المرحلة ، و هذا ما يؤكد وعي ظاهرة الموت عبر تطور القسم الحوفي من الدماغ لدى الإنسان تبدّت منذ حوالي 100 ألف سنة من الآن , إلا إذا قّدمت الاكتشافات الآثارية معطيات جديدة تُعيد وعي هذه الظاهرة إلى زمن أبكر من ذلك .
ظاهرة الموت في المستوى النفسي لدى الإنسان :
منذ وعى الإنسان في المشرق العربي لظاهرة الموت في حدود 100 ألف عام , انعكس هذا على بُعده النفسي .
فوعي هذه الظاهرة المؤلمة انعكس عليه في المستوى اللا شعوري , حيث صُدم الإنسان بمصيره الحتمي ، و هذا ما شكّل انفعالاً في عقله الباطن , ما أدّى إلى تصورات مشحونة بهذا الانفعال تمَّ التعبير عنها في الدراسات النفسية بعقدة التخلي أو النبذ .
و معلوم أن لكل عقدة نفسية لدى الإنسان ضروب تعويضية لا شعورية ، تسعى بالإنسان إلى إعادة توازنه , وتتراوح بين الايجابية و السلبية تبعاً للانفعال الذي واكبَ النفس تجاهها .
فهي عقدة الإحباط الانفعالي , عقدة الاستبعاد , وسواس القطيعة و في صورتها المصعّدة : تصبح هذه العقدة فلسفة في الوجود الإنساني ، فالإنسان " مُلقى في هذا العالم " فريسة التخلي و حصر العزلة الذي يتصف بأنه مقضيّ عليه ميتافيزيقياً .11
و على ذلك , فإن ضروب التعويض عن هذه العقدة تتبدى في مستويات عدّة :
المستوى الأول : معاناة من ألم التخلي و الفقد بما يؤدي إلى الانكفاء و العزلة في الحياة و اجترار الكآبة والاستسلام للموت .
المستوى الثاني : تعذيب الإنسان لنفسه و تحميلها ألواناً من حياة سوداوية كئيبة .
المستوى الثالث : حيث يلجأ الإنسان إلى الحلول الصوفية أو الإيمان بالتقمّص أو التناسخ أو بوجود حياة بعد الموت .
المستوى الرابع : حيث يميل الإنسان إلى الانتحار و رفض الحياة و ربما تنتابه نوازع عدوانية و سادية .
المستوى الخامس : أن يتزن الإنسان وفق المبدأ الرواقي حيث القبول بالموت و العمل في الحياة كأن الإنسان خالد ، واعتبار الموت جزءاً من الحياة .
الجدير ذكره هنا هو أن الأديان السماوية جاءت بحلول لهذه العقدة و ضروب تعويضية صالحت الإنسان مع الموت ، عبر وجود حياة بعد الموت يُحاسب فيها الإنسان من قبل الرب على أفعاله في الحياة , فقدمتْ علاجاً نفسياً لموضوع يؤرق الإنسان منذ وعيه لظاهرة الموت من جهة أولى ، و خلقت معادلاً موضوعياً لهذا الأمر يتجلى في إتباع قواعد أخلاقية و مناقبية في الحياة للفوز بعالم ما بعد الموت في منحاه الإيجابي .
الجذور التاريخية للمعتقدات الشعبية حول الموت :
إن الأساس في استمرارية الذهنية الشعبية لظاهرة الموت يتبدى في وجود استمرارية حضارية ، وتواصل حضاري بشري ، و هذا محقق في المشرق العربي منذ مليون سنة , حيث أن هناك استمرارية و تواصل حضاري عبر العصور منذ ما قبل التاريخ إلى الآن , و هذه الاستمرارية استندت على عوامل تفاعلية ، إن كان لجهة التفاعل مع البيئة الطبيعية و المجال الحيوي أو لجهة تفاعل البيئة الاجتماعية بمكوناتها المتجددة عبر العصور و التي انصهرت في معظمها ضمن بوتقة المنظومة الحضارية للمشرق العربي .
و هنا سوف نأخذ بعض المعتقدات الشعبية و الحكم و الأمثال التي مازالت مستمرة في مجتمعنا المشرقي ، و نقاربها مع ما كان سائداً في العصور الموغلة في القدم ، و هذه المقاربة تستند على قاعدة في علم النفس التحليلي يشير إليها كارل غوستاف يونغ بقوله :" كل إنسان متمدن , مهما بلغت درجة وعي نموه , لم يزل إنساناً قديماً في الطبقات السفلى من كيانه النفسي , و كما أن الجسم البشري يوصلنا بالثدييات و كشف لنا عن بقايا كثيرة من مراحل تطور أولية ترجع إلى عصور الزواحف , فكذلك النفس البشرية التي هي نتاج تطور إن تتبعنا أصوله , تكشف لنا عن عدد لا حصر له من السمات القديمة "12
رهبة الموت و ظهور الأرواح :
جاء في كتاب " المعتقدات الشعبية في التراث العربي " : ( يعتبر الموت العادي في التراث الشعبي بشكل عام , فاجعة للناس , قاطعاً لحبل الرباط بين الإنسان و أهله , و نظراً لما له من أهمية فقد كثرت حوله المعتقدات منذ اللحظة الأولى التي يشعر فيها الناس بأمر الموت و حتى ما بعد الدفن بأيام و أسابيع و سنين . و تتنوع المعتقدات المتعلقة بالموت في مضمونها , فنرى منها ما يدخل في باب التشاؤم , و منها ما يدخل ضمن دائرة الأحاسيس الإنسانية , و بعضها يدخل ضمن دائرة التصورات الميتافيزيقية , دينية و غير دينية .. )13.
شعائر الموت في المعتقد الشعبي المشرقي وجذورها التاريخية :

إلى الآن يسعى المشرقيون في طقوس الدفن إلى إحداث حفرة صغيرة عند الشاهدة أو ترك تربة رملية فوق القبر , غايتها صبّ الماء حين زيارة القبر ، وزرع النبات الأخضر الدائم الخضرة ، و لعل الاعتقاد الآن لدى مجمل الناس أن هذا يرطّب القبر لا أكثر.
و لكن بالرجوع إلى وثائق المشرق العربي المسمارية، و في مواقع مختلفة نجد أن هذا الطقس يمتد منذ عصور ما قبل التاريخ و تم توثيقه في الكتابات المسمارية منذ خمسة آلاف عام ,واستمر مع الزمن . حيث أن تقديم القرابين للموتى من طعام أو ماء أو إقامة الشعائر عليهم في يوم الندب تحميهم من أرواح هؤلاء الموتى وترضي رموز العالم السفلي . نقرأ في احدىالوثائق :" أن الأشباح الشريرة تخرج من القبر من أجل الحصول على الطعام و الماء "14و إحدى الوثائق أيضاً تشير إلى إنسان كان يعاني من مرض و حسب اعتقاده أن شبحاً يلازمه من أرواح الموتى حيث يخاطبه : " سواء كنت شبح شخص غير مدفون , أو كنت شبحاً لم يلق عناية لائقة , أو شبح الميت الذي لم تقدم له القرابين الجنائزية أو الذي لم يسكب له الماء .."1و هنا تحيلنا وثائق المشرق العربي القديم إلى عدة أنواع من الشعائر الجنائزية التي كانت تقام لعدة أهداف أهمها :
1- إرضاء الإله و بذا يضمن الناس حسن تعامل الإله مع روح الميت .
2- إرضاء روح الميت حتى لا تضطرب و تعود بهيئة شبح يبعث الرعب و الفساد في الأحياء .
و كانت الشعائر تتضمن إقامة وليمة جنائزية على روح الميت لغاية خير المجتمع و هذا ما استمر في معتقداتنا الشعبية في ذبح الخراف و توزيعها على الفقراء كرمى لروح الميت .
كانت الوليمة الجنائزية يطلق عليها بالأكادية / كسبا كسابو / حيث تصفّ المقاعد حول الأطعمة القربانية / لحوم الخراف – أنواع الفواكه – المشروبات / و يترك مقعد فارغ لروح الميت الذي أقيمت الوليمة لأجله، و كان هذا المقعد يسمى :" كرسي الروح " و بالأكادية : kussu etemme .16
أيضاً هناك نوع من الشعائر الجنائزية كان يطلق عليه اسم " مي نقو .. بالأكادية " , و معناه بالعربية , ماء نقي . حيث يتم سكب الماء في القبر .
و هناك نوع آخر هو " شم زكارو " ، و بالعربية " ذكر الاسم "، حيث يقصد به إحياء ذكر الميت في عالم الأحياء , إن كان في ذكرى الأربعين / و التي تعود جذورها إلى التقاليد المصرية القديمة / أو في ذكراه السنوية .
كذلك في إطلاق اسم الميت على أول مولود يأتي للعائلة كنوع من تخليد ذكر الميت .17
و لعل حرمان الميت من هذه الشعائر يؤدي إلى صعود روحه بهيئة شبح مسيء للأحياء .
و تذكر نصوص الملك الآشوري " آشور بانيبال " أنه انتقم من الملوك العيلاميين الموتى حيث أخرج عظامهم من قبورهم ، " لقد أقلقت راحة أرواحهم , إذ حرمتهم من القرابين الجنائزية و سكب الماء .. "18
إن ما استمر من هذه الاعتقادات حول أرواح الموتى المحرومة من العناية اللائقة عبر الشعائر الجنائزية ظهر في المعتقد الشعبي المشرقي بلبوس الجن أو الجان .
فحسب هذه المعتقدات " تعتبر الجان مؤذية و شريرة تجلب النحس و المرض و الرعب و تعتبر مخلوقات غيبية , غير مادية , من غير طبيعة البشر و غير طبيعة الملائكة "19 .
و تشير بعض الدراسات إلى أن هذه الكائنات ربما كانت امتداداً للخيال الشعبي من أرواح الموتى أو الموتى أنفسهم , ذلك لأنها توجد في باطن الأرض عادة ولأنها تضطر للعودة إلى مقرها قبل طلوع الفجر "20.
و يبدو أن الجان أو الجن اقترن وجودها مع الموتى في باطن الأرض في معظم المعتقدات الشعبية في العالم .
و هذا ما يدفعنا إلى دراسة العالم السفلي في تراثنا المشرقي .
حفلت اللغة الأكادية بعدة أوصاف للعالم السفلي و بمعان مختلفة , فهو :
قبرو qabru أي قبر
أرصيتو شبليتو أي الأرض السفلى .
أرصيتو ميتوتي أي أرض الموتى .
خربو أي الخربة .
كان هناك في المعتقد المشرقي القديم اعتقاد أن العالم السفلي تسكنه شياطين أو جان ، على أنواع عدة ، منها ما هو سماوي و منها ذو أصل بشري كأرواح الموتى ، و هناك من كان أصله من العالم السفلي ، و يبدو أن هذا الأخير يتصل بتصور المجتمعات الحالية عن عزرائيل و قد جاء وصفه في إحدى الوثائق :
" عبر الأسوار العالية السميكة , يمرّون كالطوفان , يمرون من بيت لبيت , لا يمنعهم باب و لا يصدهم مزلاج , فهم ينسلون عبر الباب كانسلال الأفاعي , و يمرقون من فتحته كالريح , ينتزعون الزوجة من حضن زوجها , و يختطفون الطفل من على ركبتي أبيه و يأخذون الرجل من بين أسرته "21
و لعل أوضح وصف لعزرائيل في الكتابات المشرقية القديمة ما ورد في ملحمة جلجامش على لسان أنكيدو في وصفه لحالة موته :
" كانت السماء ترعد فاستجابت لها الأرض , و كنت واقفاً وحدي فظهر أمامي مخلوق مخيف مكفهر الوجه ... لقد عرّاني من لباسي و أمسك بي بمخالبه و أخذ بخناقي حتى خمدت أنفاسي .. أمسك بي و قادني إلى دار الظلمة .. إلى البيت الذي لا يرجع منه من دخله .. إلى البيت الذي حرم ساكنوه من النور .. و يعيشون في ظلام لا يرون نوراً ".22
الجدير بالذكر أن مواعيد إقامة الشعائر الجنائزية كانت تتم قديماً بشكلين : شهري و سنوي , فالأول يُقام في التاسع و العشرين من الشهر ، و هو اليوم الذي يكون فيه القمر محاقاً ، حيث كان الاعتقاد أن فيه تتجمع أرواح الموتى مما يدفع الأحياء لتقديم القرابين و إقامة الشعائر.
و قد أُطلق على هذا اليوم اسم "يوم القرابين الجنائزية , يوم سكب الماء " 23عليه نعوت عديدة منها " يوم وليمة الموتى " و " يوم الكآبة " و " يوم الندب " .
أما الموعد السنوي فكان يتم في شهر آب حيث تبلغ الطقوس ذروتها في اليوم التاسع منه حيث الاعتقاد أن أرواح الموتى تنعتق من احتجازها في العالم السفلي . 24
و في المقابل نجد في المعتقدات الشعبية المعاصرة أن هناك ما يسمى \خميس الأموات \ ، حيث يتم إقامة الشعائر الجنائزية بذكرى الموتى فيذهب الناس لزيارة القبور حاملين الأطعمة و الماء ، و يذهب الفقراء أيضاً ليحصلوا على ما يوزعه أقارب الموتى من طعام . و يعتقد الناس أن الطعام الذي يصل إلى الفقراء يصل إلى أرواح الموتى .25
و يشير ألكزندركراب في كتابه " عالم الفلكلور " ، إلى أن الناس يحرصون على زيارة القبر في الأسبوع الأول من موت الشخص حيث تشرب على قبره القهوة و تقام الطقوس الدينية و توزع الحلوى، و هذا حسب اعتقادهم رحمة للميت و دفع بلاء عن الأحياء من أهله و عياله و هم يذهبون لزيارة القبور بعد شروق الشمس و ذلك لاعتقادهم بأن أرواح الموتى تختفي بعد الشروق .
كما يشير إلى استرضاء الموتى عن طريق تناول الطعام عند قبورهم .
و هناك عادة وثيقة الصلة بهذه الممارسات و هي إعطاء الميت قطعة من النقود أو وضع هذه القطعة في فمه و هذه العادة كانت شائعة في حضارات المتوسط في العصور القديمة .26
و لقطعة النقود هذه أساس قديم في المشرق العربي فقد كان اعتقادهم أن الإنسان حين يموت و يوضع في القبر فسوف يعبر " نهر عبر " إلى العالم الأسفل ,و هذا يتطلب إعطاء صاحب المركب النقود أو الفضة لأجل ذلك , لا بل إن بعض القبور حوت في مرفقاتها الجنائزية على لقى جنائزية بشكل مراكب قد يستعين بها الميت في عبور النهر باتجاه العالم السفلي .
مناقشات في وصف حال الميت :
إلى الآن و وفق المعتقد الشعبي المشرقي نسمع أن الإنسان إذا كان يحتضر يُقال أن " نجمهُ غاص " , و لا أعتقد أن الإنسان الحالي يعي معنى هذا الوصف , غير أننا وثائق المشرق العربي القديم و في مواقع مدنه المختلفة تعطينا الجواب .
ففي الألف الثاني / و ربما الثالث ؟ / قبل الميلاد , نشط البابليون و من ثم الكلدانيون في حقل الفلك و الدراسات الكونية , و تشير وثائق تلك العصور إلى أن لكل إنسان نجماً في السماء يخصهُ فإن أفلَ النجم مات صاحبه .
فالاعتقاد بالنجوم كان يلعب دوراً مهماً في حياة الناس , و ثمة اعتقاد آخر بأن لكل إنسان برجاً خاصاً , يتحكم بمجرى حياته , و إن علاقة هذا البرج مع غيره يسبب لصاحبه الخير أو الشر .
و يشير قاموس الكتاب المقدس إلى أن " الكواكب تسيطر على حياة الإنسان , و هذا إيمان موروث من عبادة النجوم زمن الكلدانيين حيث ترعرعت أعظم حضارة فلكية و نشأ معتقد عبادة الأجرام السماوية .27
و يشير الدكتور ابراهيم بدران و الدكتورة سلوى الخماش إلى أن البابليين و الكلدانيين كانوا من أوائل من اهتم بمراقبة الأجرام السماوية أثناء ترحالهم , مما تولد عنه مع الزمن الخرافة القائلة بأن حركة الأجرام تتحكم في حياة الإنسان و أن مستقبله يتحدد بالنجم الصاعد ساعة ميلاده و النجم الهابط في ذلك الوقت أيضاً " 28
أيضاً ثمة قول لوصف من مات في المعتقد الشعبي حيث يقال : سقطتْ ورقتهُ .. و هذا القول يعود إلى اعتقاد قديم يقول ، إن الشجرة التي إلى يمين العرش الإلهي ذات الأغصان الكثيفة و الأوراق الخضراء الزاهية تضم كل أسماء البشر , فإذا ولد المرء ظهرت ورقته على تلك الشجرة , و إن مرض مال لونها إلى الاصفرار و إذا ما شفي عادت للاخضرار .. و إن أوشك على الموت اصفرت ورقته و حين يموت .. تجف و تسقط مغادرة شجرتها الأم . 29
و ثمة قول آخر عن الميت في الاعتقاد الشعبي حيث يقال : " خلصت ميتو " أي انتهت مياهه ،و معلوم أنه في المعتقد الشعبي يتم تنقيط الماء في فم الإنسان المحتضر حتى يبقى ريقه رطباً , و هذا يرتبط برمزية الماء في الحضارة الشرقية و التي هي رمزية خصبة نقيض حالة الموت و هذا ما يستتبع أيضاً إجراء طقس سكب الماء في قبر المتوفي .
الجماجم المقولبة قديماً .. الصور الشخصية حديثاً :
الإنسان المعاصر يضع الآن صورة المتوفى العزيز عليه على الحائط لاستمرار تذكره و نوع من دواعي بقائه بين الأحياء أو بالأحرى تمنّي بقاء ذكره.
و هذه المشاعر الإنسانية النبيلة نجد أصداء لها منذ بواكير الحضارة الإنسانية و لكن الأسلوب الفني المُتبع مختلف .
فبالعودة إلى المشرق العربي القديم و مع زمن ابتكار الزراعة في الألف التاسع قبل الميلاد , نجد أنفسنا أمام ظاهرة أُطلق عليها اسم الأرواحية أو تقديس الأجداد , حيث يصار إلى فصل جمجمة الميت عن جسده ، و توضع على جدار المنزل لاعتبارات عقائدية، و هذا ما عثر عليه في موقع المريبط في سوريا و موقع أريحا في فلسطين . 30
و في خطوة لاحقة متطورة عن الأولى ، أصبح الإنسان يعالج هذه الجماجم كنوع من التعويض في المستوى النفسي الجمعي , حيث نشأ ما يسمى بالجماجم المقولبة , إذ كانوا يعيدون تشكيل الجمجمة بالجص ، و يتم صبغها بما يماثل لون بشرة الإنسان ، ثم تُنزّل العيون بالصدف أو القواقع و يرسم على الجمجمة خيوط بنية كدلالة على شعر الرأس .
و قد عُثر على هذه الجماجم المقولبة في مواقع عدة في أريحا و بيسامون و وادي حمار و في تل الرماد . 31
شباط : شهر الندب
إلى الآن , يُعتبر شهر شباط شهر الأموات في المعتقد الشعبي المشرقي .
و علمياً , فنحن نعتقد أن هذا الشهر الذي يوصف بأنه " لبّاط " و " مالو رباط " هو شهر التغييرات و عدم استقرار الفعالية الجوية و الطقسية و كونه بعد شهرين شتويين فاعلين هما كانون الأول و كانون الثاني , فإن أجسام الكهول و العجائز تتعب و يحين موعد قطاف أرواحها في شهر شباط .
وحتى الأن ، مازال كبار السن في الساحل السوري يتهيبون حضور شهر شباط ، لهذا فهم يلزمون بيوتهم طيلة الشهر خوفا من الموت ، وحين يرحل الشهر يخرجون من بيوتهم وهم يتمازحون بالقول : راح شباط وحطينا
في ........مخباط . و يبدو أن هذا الأمر كان سائداً منذ العصور القديمة بما يعود إلى حوالي الألف الثالث قبل الميلاد , إن لم يكن قبل ذلك . و كان شهر شباط في الوثائق المسمارية يسمى ( شهر نهر عبر ) و شهر الندب ، الجدير ذكره هنا هم أن أحوال المناخ في منطقة الهلال الخصيب لم تشهد تغييرات حاسمة منذ الألاف الثالث قبل الميلاد .
و ثمة أدلة تاريخية تشير إلى أن شواهد القبور هي ابتكار آرامي بامتياز , ففي موقع شمأل في شمال سوريا عُثر على شاهدة قبر ارتفاعها متر و نصف تشتمل على رسومات فنية يُعتقد أنها تختص بحياة العالم السفلي .32

ملاحظات عامة حول المعتقدات الشعبية في الموت :

لا يبدو القبر في المعتقد الشعبي مكاناً أنيساً للأحياء , و إن ضم في داخله ميتاً عزيزاً , لذا فإن ثمة عادات ارتبطت بالقبر و استخدامه في الحياة الشعبية و اليومية ، فمثلاً : إذا كان رجل حاقداً على أحد , فليس عليه سوى أن يذهب إلى أحد القبور , و يأخذ حفنة من ترابه و يذروها على راس عدوه يوم زفافه , و هذا بحسب الاعتقاد الشعبي سوف يجعل الإنسان ميتاً تماماً , حيث ينتقل الموت من أموات المقابر إلى الشخص الحي مما سيرديه ميتاً . 33
كما ترى المعتقدات الشعبية أن العبث بالقبور و هدمها أو محاولة إزالتها / لاسيما للرجال الصالحين / سوف يؤدي إلى هلاك المعتدي على حرمة هذه القبور و شلله إلا إذا قدّم أضحية بذبح شاة و تقديمها للفقراء .
و هذا باعتقادنا هو ترجيع لما ذكرته النقوش المسمارية حيث نقرأ :
" من يحطم ألواحي التذكارية .. عسى الإله أن ينسف بلاده بصاعقة مهلكة و يحلّ المجاعة و القحط و العوز و الفيضان ببلاده , عساه ألا يدعه يوماً واحداً على قيد الحياة .. عساه يحطم اسمه و ذريته إلى الأبد " 34
و لعلنا نلاحظ الآن أن ما يميز الشعائر الجنائزية قديماً وحديثاً ثلاثة أشياء :
أولها : سكب الماء و هو طقس موغل في القدم .
ثانيها : تقديم الطعام و الذبائح كقرابين جنائزية على روح الميت . و هو طقس أيضاً موغل في القدم .
ثالثها : وضع الأغصان الخضراء و الآس و أسعف النخيل و الورود على قبر المتوفي باعتقاد أنها ترطب جو القبر الموحش و الجاف .
و نحن نعلم رمزية اللون الأخضر في أنه رمز للخصب و الحياة و الربيع , حتى أن الاعتقاد الشعبي يصف العروس أثناء زفافها إذا نزل المطر بأن " إجرها خضرا " أي قدمها خضراء في دلالة على الحياة و الخصب .
و تستخدم أفرع شجرة النخيل في مواكب الدفن , و عند زيارة القبور و في تزيين المقابر .
و تجمع الدراسات أن شجرة النخيل عند الفينيقيين كانت شجرة الحياة لا بل و تمَّ توحيدها مع جنة عدن في ذهنيتهم و مع رمز الخصب عشتار , كما أن هذه الشجرة كانت شجرة العائلة لدى شعوب مصر و الهلال الخصيب و الجزيرة العربية .
و تشير المعطيات إلى أن العرب قبل الإسلام عبدوا شجرة النخيل حيث كان في نجران شجرة يقام لها عيد سنوي . 35
و تتضح رمزية شجرة النخيل في المستوى الثقافي و الأنثربولوجي في علاقتها بالموت ثم الانبعاث أو بتوالي الولادة و الاستمرار .
و قد أطلق على النخلة اسم العنقاء باعتبارها إذا ما سقطت بسبب الشيخوخة فلسوف تنمو من جديد خضراء يانعة كما كانت . و تذكر أساطير بعلبك أن طائر الفينيق أو طائر النخيل كان يحجّ إلى هليوبوليس أو بعلبك ليموت فيها ثم يعاود الحياة من جديد .( 36)
إن هذا الاعتقاد ضمن الذهنية المشرقية يشكّل كما أسلفنا تعويضاً عن حتمية الموت عبر الموت و الانبعاث الذي يشكّل رائزاً من روائز الثقافة الزراعية .
في بعض المأثورات و القوال الشعبية حول الموت :
تحفل الذهنية الشعبية في الهلال الخصيب بشتى المأثورات و الأقوال و الحكم و الأمثال عن الموت و عالمه , منها ما يستمد جذوره من الماضي و منها ما هو مستحدث .
فهناك مَثَلٌ يقول : " مَن خلّف ما مات " بمعنى من له أولاد لم يمت لأنه مستمر بهم .
و هذا نجد جذوره في ملحمة جلجامش حين سأل جلجامش إنكيدو / اللوح الثاني عشر / عن مصير من له ابن واحد أو اثنان .. و هكذا , حيث يبدو أن مصير الميت جميل إن كان له أبناء كثر . 37
" من غير هاليوم " أي من غير هذا اليوم :
تقال في معرض التحدث عن شخص متوفي و حين يرد ذكر الميت يقال من غير هاليوم , لئلا يموت الرجل المُخاطَب .
" فوق الموتة عصّة القبر " أي فوق الموت ضيق القبر , و تطلق على من تكثر في حياته المصاعب و لا يستطيع الانفكاك منها , حيث تمّ استعارة هذه الصورة من عالم الموت .
و أطلق على الموت تعبير : ساعة الغفلة .. و موت أحمر ، تعبير عن الموت الدموي .
و في باب الحكمة نقرأ : " بني آدم ما بملّي عينو غير التراب " وهذا يقال في وصف الانسان الطماع بالحياة ومتاعها . و " ما حدا آخد معو شي " .
إن هذه المقارنة تعتبر مدخلاً لدراسة أشمل و أعمق حول ظاهرة الموت في المعتقد الشعبي العربي بعامة و المشرقي بخاصة ..
و لعل ما يمكننا التوصل إليه من بحثنا هو إن الموت حتمي على البشر و قدرنا أن نحيا حياة تليق بعبورنا إلى الحقيقة السامية .. المُطلقة في آن .

الهوامش
1- د. نائل حنون - عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة . وزارة الثقافة - بغداد - ط2 1986 .
اللوح الثاني عشر من " ملحمة جلجامش " ص 343 .
2- الموت في الفكر الغربي - سلسلة عالم المعرفة - الكويت .
3- المرجع السابق .
4- المرجع السابق .
5- د. بشار خليف - دراسات في حضارة المشرق العربي القديم - مركز الإنماء الحضاري - حلب - سوريا - 2004 . ص 152
6- د. سلطان محيسن - الصيادون الأوائل - دار الأبجدية دمشق 1996 .
7- للمزيد من التفصيل يمكن مراجعة مؤلفنا دراسات في حضارة المشرق العربي القديم .
8- كارل ساغان – تنانين عدن – ترجمة نافع لبّس – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1996 .
9- د. سلطان محيسن – مرجع سابق .
10- المرجع السابق .
11- روجر موشيلي – العقد النفسية – ترجمة وجيه أسعد – وزارة الثقافة – سوريا 1985. ص 70
12- كارل غوستاف يونغ – علم النفس التحليلي – دار الحوار – سوريا 1985 .
13- محمد توفيق السهلي – حسن الباش – المعتقدات الشعبية في التراث العربي – دار الخليل – سوريا .( بلا تاريخ ) . ص139 .
14- 15- د. نائل حنون – مرجع سابق – الدفن و الشعائر الجنائزية ص 274
16- المرجع السابق – ص 278 .
17- المرجع السابق – ص 281 .
18- المرجع السابق – ص 282 .
19- محمد الجوهري – علم الفلكلور – ج2 – دار المعارف – القاهرة – ط1 1980- ص 553 .
20- د. عبد الحميد يونس – الحكاية الشعبية – المؤسسة المصرية للتأليف و النشر – دار الكاتب العربي – 1968 – ص 46-47 .
21- د. نائل حنون – مرجع سابق ص 216 .
22- د. نائل حنون – مرجع سابق ص 110 .
23- 24- د. نائل حنون – مرجع سابق 288 .
25- المعتقدات الشعبية – مرجع سابق ص 203 .
26- ألكزندر هجرتي كراب – عالم الفلكلور – ترجمة رشدي صالح – وزارة الثقافة – القاهرة – 1967 ص 156 .
27- قاموس الكتاب المقدس – مكتبة المشعل – بيروت – ط6 – 1981 ص 959 .
28- د. إبراهيم بدران – د. سلوى الخماش – دراسات في العقلية العربية – الخرافة – دار الحقيقة – بيروت – ط3 – 1988 ص 291 .
29- المعتقدات الشعبية . مرجع سابق .
30- د. سلطان محيسن – مرجع سابق .
31- جاك كو?ان – الألوهية و الزراعة – ترجمة موسى خوري – وزارة الثقافة – دمشق 1999 .
32- د. علي أبو عساف – الآراميون – دار الأماني – سوريا – 1988 .
33- المعتقدات الشعبية – مرجع سابق ص 167 .
34- د. نائل حنون – مرجع سابق – ص 156 .
35- شوقي عبد الحكيم – مدخل لدراسة الفلكلور و الأساطير العربية – ص59 – 1982 .
36- المرجع السابق – ص336
37- د. نائل حنون . مرجع سابق

نقلا عن موقع الجولان